محمد حسين هيكل

255

حياة محمد ( ص )

الفصل الثالث والعشرون غزوة مؤتة اتجاه نظر محمد إلى الشام - توجيهه ثلاثة آلاف لغزوها - لواؤهم لزيد بن حارثة ، فإن أصيب فلجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فلعبد اللّه بن رواحة - الروم في مائة ألف أو مائتي ألف - التقاء الجيشين بمؤتة - موت الثلاثة أصحاب اللواء على التعاقب - الراية لخالد بن الوليد - مداورته وانسحابه . مناوشات صغيرة لم يكن محمد يستعجل فتح مكة وهو يعلم أن الزمن في صفه ، كما أن عهد الحديبية لم يكن قد مضى عليه غير عام واحد ، ولم يكن قد جدّ ما يوجب نقضه . ومحمد رجل وفاء لا ينقض كلمة قال ولا عهدا عقد . لذلك ذهب إلى المدينة فأقام بضعة أشهر لم تقع خلالها غير مناوشات صغيرة ؛ كإرسال خمسين رجلا إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام وغدر بني سليم بهم وقتلهم إيّاهم بغيا بغير حق ، حتى لم ينج رئيسهم إلا بمحض المصادفة ؛ وكغزو جماعة من بني اللّيث والظفر بهم والغنم منهم ؛ وكمعاقبة بني مرّة على ما غدروا من قبل ؛ وكإرسال خمسة عشر رجلا إلى ذات الطّلح على حدود الشام يدعون إلى الإسلام دعوة كان جزاؤهم عنها القتل لم ينج منه إلا رئيسهم . وقد كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية متّجه نظر النبيّ منذ أمن الجنوب بعهده مع قريش وبإذعان عامل اليمن لدعوته . ذلك أنه كان يتوسّم طريق انتشار دعوته إلى الإسلام أوّل مغادرتها حدود شبه الجزيرة ، فيرى الشام والبلاد المجاورة هي المنفذ الأوّل لهذه الدعوة . لذلك لم تمض أشهر على مقامه بالمدينة بعد عوده من عمرة القضاء حتى وجّه ثلاثة آلاف هم الذين قاتلوا في مؤتة مائة ألف في رواية ؛ ومائتي ألف في رواية أخرى . غزوة مؤتة ويختلف الرواة في سبب غزوة مؤتة هذه ؛ فيذهب بعضهم إلى أن قتل أصحابه في ذات الطّلح كان سبب الغزو لتأديب هؤلاء الغادرين ، ويذهب آخرون إلى أن النبيّ أرسل رسولا من رسله إلى عامل هرقل على بصرى وأن أعرابيّا من غسّان قتل هذا الرسول باسم هرقل ، فبعث محمد بالذين قاتلوا في مؤتة لتأديب العامل ومن ينصره . وكما كان عهد الحديبية مقدمة عمرة القضاء ففتح مكة ، كانت غزوة مؤتة مقدمة تبوك وما كان بعد وفاة النبيّ من فتح الشام . وسواء أكان السبب الذي أدّى إلى غزوة مؤتة هو قتل رسول النبيّ إلى عامل بصرى أم