محمد حسين هيكل
256
حياة محمد ( ص )
قتل رجاله الخمسة عشر في ذات الطّلح ، فإنه عليه السلام دعا إليه ، في جمادي الأولى من السنة الثامنة للهجرة ( سنة 629 م ) ، ثلاثة آلاف من خيرة رجاله ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال : « إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، وإن أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة على الناس » . وخرج هذا الجيش وخرج معه خالد بن الوليد متطوّعا ليدلّ بحسن بلائه في الحرب على حسن إسلامه . وودع الناس أمراء الجيش والجيش ، وسار محمد معهم حتى ظاهر المدينة ، يوصيهم ألّا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين ولا الصبيان ، ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار . ودعا عليه السلام ودعا المسلمون لهذا الجيش قائلين : صحبكم اللّه ودفع عنكم وردّكم إلينا سالمين ! وكان أمراء الجيش كلهم يفكرون في أخذ القوم من أهل الشام على غرّة منهم ، على عادة النبي في سابق غزواته ، فيسرع إليهم النصر ويعودون بالغنيمة . وسار القوم حتى بلغوا معان من أرض الشام وهم لا يعلمون ما هو ملاقيهم . لكن أنباء مسيرتهم كانت قد سبقتهم . فقام شرحبيل عامل هرقل على الشام فجمع جموع القبائل ممن حوله ، وأوفد من جعل هرقل يمدّه بجيوش من الإغريق ومن العرب . وتذهب بعض الروايات إلى أن هرقل نفسه تقدم بجيوشه حتى نزل مآب من أرض البلّقاء على رأس مائة ألف من الروم ، كما انضم إليه مائة ألف أخرى من لخم وجذام والقين وبهراء وبليّ . ويقال إن تيودور أخا هرقل هو الذي كان على رأس هذه الجيوش لا هرقل نفسه . وبلغ المسلمين وهم بمعان أمر هذه الجموع ، فأقاموا بها ليلتين يفكرون ماذا يصنعون أمام هذا العدد الذي لا قبل لهم به . قال قائل منهم : نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فنخبره بعدد عدوّنا ؛ فإما يمدّنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له . وكاد هذا الرأي يسود لولا أن تقدم عبد اللّه بن رواحة ، وكان إلى جانب شهامته وفروسيته شاعرا ، فقال : يا قوم ، واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون : الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ؛ فانطلقوا ، فإنما هي إحدى الحسنيين : إمّا ظهور وإمّا شهادة . وامتدّت عدوى النخوة من الشاعر الشجاع إلى الجيش كله ؛ فقال الناس : فو اللّه صدق ابن رواحة ! ومضوا ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف . فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية مؤتة أن رأوها خيرا من مشارف لتحصّنهم بها . وفي مؤتة بدأت المعركة حامية الوطيس بين مائة أو مائتي ألف من جيوش هرقل وثلاثة آلاف من المسلمين . استشهاد زيد بن حارثة يا لجلال الإيمان وروعة قوّته ! حمل زيد بن حارثة راية النبيّ واندفع بها في صدر العدو وهو موقن أن ليس من موته مفرّ . لكن الموت في هذا المقام هو الاستشهاد في سبيل اللّه ! وليس إلا الاستشهاد دون النصر والظفر مكانا . استشهاد جعفر بن أبي طالب وابن رواحة وحارب زيد حرب المستميت حتى مزّقته رماح العدوّ فتناول الراية من يده جعفر بن أبي طالب ، وهو يومئذ في الثالثة والثلاثين من عمره ، وهو شاب تعدل وسامته شجاعته . وقاتل جعفر بالراية ، حتى إذا أحاط العدوّ بفرسه اقتحم عنها فعقرها ، واندفع بنفسه وسط القوم منطلقا انطلاقة السهم يهوي سيفه برؤسهم حيثما وقع . وكان اللواء بيمين جعفر فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل . يقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة قطعته نصفين . فلمّا قتل جعفر أخذ ابن رواحة الراية ، ثم تقدم بها وهو على فرسه ؛ فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال :