محمد حسين هيكل
236
حياة محمد ( ص )
دم في الحديبية وهي من حرم مكة . وبهتت قريش حين عرفوا هذا ، وسقطت كل حجة لهم يريدون أن يزعموا بها أن محمدا يريد حربا ، وأيقنوا أن كل اعتداء من جانبهم على محمد لن تنظر إليه العرب إلا على أنه غدر دنيء ، لمحمد الحقّ في أن يدفعه بكل ما أوتي من قوة . سفارة عثمان بن عفان ثم إنه عليه السلام حاول أن يمتحن صبر قريش مرة أخرى بإرسال رسول يفاوضهم ؛ فدعا إليه عمر بن الخطاب كي يبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له . قال عمر : « يا رسول اللّه إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها . ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني : عثمان بن عفان » . فدعا النبي عثمان زوج ابنته وبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش . فخرج عثمان في رسالته ، فلقيه لأوّل ما دخل مكة أبان بن سعيد فأجاره الزمن الذي يفرغ فيه من رسالته . وانطلق عثمان إلى سادة قريش فأبلغهم رسالته . قالوا : يا عثمان ؛ إن شئت أن تطوف بالبيت فطف . قال ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول اللّه ، إنما جئنا لنزور البيت العتيق ولنعظم حرمته ولنؤدي فرض العبادة عنده . وقد جئنا بالهدي معنا ، فإذا نحرناها رجعنا بسلام . وأجابت قريش بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة . وطال الحديث وطال احتباس عثمان عن المسلمين ، وترامى إليهم أن قريشا قتلته غيلة وغدرا . ولعل سادة قريش كانوا في هذه الأثناء يبحثون مع عثمان عن صيغة توفقّ بين قسمهم ألا يدخل محمد هذا العام مكة عنوة ، وبين حرص المسلمين على أن يطوفوا بالبيت العتيق ويؤدّوا إلى رب البيت فرضه . ولعلهم قد أنسوا إلى عثمان وكانوا في هذه الأثناء يبحثون وإيّاه عن تنظيم علاقاتهم بمحمد وتنظيم علاقات محمد بهم . بيعة الرضوان : مهما يكن من الأمر فقد قلق المسلمون بالحديبية على عثمان أشدّ القلق ، وتمثّل أمامهم غدر قريش وقتلهم إيّاه في هذا الشهر الذي لا تجيز فيه أديان العرب جميعا لعدوّ أن يقتل في حرم الكعبة ولا في حرم مكة عدوه ، وتمثل أمامهم غدر قريش برجل ذهب إليهم في رسالة سلم وموادعة ، ووضع كلّ منهم يده على قبضة سيفه ؛ سمة النذير وسمة البطش والغضب . ودخل في روع النبي عليه السلام أن قريشا قتلت عثمان فغدرت في الشهر الحرام فقال : « لا نبرح حتى نناجز القوم » . ودعا أصحابه إليه وقد وقف تحت شجرة في هذا الوادي فبايعوه جميعا على ألا يفرّوا حتى الموت . بايعوه وكلهم ثابت الإيمان ، قويّ العزيمة . ممتليء حماسة للانتقام ممن غدر وقتل . بايعوه بيعة الرضوان التي نزل فيها قوله تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) « 1 » . فلمّا أتمّ المسلمون البيعة ضرب عليه السلام بإحدى يديه على الآخرى بيعة لعثمان كأنه حاضر معهم بيعة الرضوان . وبهذه البيعة اهتزت السيوف في غمودها ، وتبدّى للمسلمين جميعا أن الحرب آتية لا ريب فيها ، وجعل كلّ ينتظر يوم الظفر أو يوم الاستشهاد بنفس راضية وفؤاد مرتاح وقلب مطمئن . وإنهم لكذلك إذ ترامى إليهم أن عثمان لم يقتل ، ثم لم يطل بهم الأمر حتى جاء عثمان بنفسه إليهم . على أن بيعة الرضوان هذه بقيت مع ذلك ، كبيعة العقبة الكبرى ، علما في تاريخ المسلمين كان محمد يستريح إلى ذكره لما كشف عنه من متانة
--> ( 1 ) سورة الفتح آية 18 .