محمد حسين هيكل

237

حياة محمد ( ص )

الروابط بينه وبين أصحابه ، ولما دل عليه من مبلغ إقدامهم على خوض مخاطر الموت لا يخافون ، ومن أقدم على مخاطر الموت خافه الموت وعنت له جبهة الحياة وكان من الفائزين . رسالة قريش إلى محمد عاد عثمان فأبلغ محمدا ما قالت قريش . فهم لم تبق عندهم ريبة في أنه وأصحابه إنما جاؤوا حاجبين معظّمين للبيت . وهم يقدّرون أنهم لا يملكون منع أحد من العرب عن الحج والعمرة في الأشهر الحرم . وهم مع ذلك قد خرجوا من قبل تحت راية خالد بن الوليد لقتاله وصدّه عن دخول مكة ، وقد وقعت بين بعض رجالهم وبعض رجاله مناوشات . فإذا هم بعد الذي حدث تركوه يدخل مكة تحدّثت العرب بأنهم انهزموا أمامه ، فتضعضعت في نظر العرب مكانتهم وسقطت هيبتهم . لذلك هم يصرّون على موقفهم منه هذا العام إبقاء على هذه الهيبة واستبقاء لتلك المكانة . فليفكر وإيّاهم ، وهذا موقفه وموقفهم ، لعلهم جميعا يجدون من هذا الموقف مخرجا ، وإلّا فليس إلا الحرب يدخلونها طوعا أو كرها . بل إنهم لها لكارهون في هذه الأشهر ، تقديرا لحرمتها الدينية من ناحية ، ولأنها من ناحية أخرى ، إذا لم تحترم اليوم حرمتها ووقعت الحرب فيها ، لم يأمن العرب في مستقبل أيّامهم أن يجيئوا إلى مكة وأسواقها مخافة انتهاك الأشهر الحرم مرّة أخرى ، فيجني ذلك على تجارة مكة وعلى أرزاق أهلها . المفاوضات بين الفريقين واتصل الحديث وعادت المفاوضات بين الفريقين كرة أخرى . وأوفدت قريش سهيل بن عمرو وقالوا له : أئت محمدا فصالحه ، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنّا عامه هذا . فو اللّه لا تحدّث العرب عنا دخلها علينا عنوة أبدا . فلمّا انتهى سهيل إلى الرسول جرت محادثات طويلة للصلح وشروطه كانت تنقطع في بعض الأحيان ، ثم يعيد اتصالها حرص الجانبين على النجاح . وكان المسلمون من حول النبيّ يسمعون أمر هذه المحادثات ويضيق بعضهم بأمرها صبرا ، لتشدّد سهيل في مسائل يتساهل النبي في قبولها . ولولا ثقة المسلمين المطلقة بنبيهم ، ولولا إيمانهم به ، لما ارتضوا ما تمّ الاتفاق عليه ، ولقاتلوا ليدخلوا مكة أو لتكون الآخرى . فقد ذهب عمر بن الخطّاب في أعقاب المحادثات إلى أبي بكر ودار بينهما الحديث الآتي : عمر - أبا بكر ، أليس برسول اللّه ؟ ! أبو بكر - بلى ؟ ! عمر - أولسنا بالمسلمين ؟ ! أبو بكر - بلى ! عمر - فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا ؟ ! أبو بكر - يا عمر الزم غرزك « 1 » فإني أشهد أنه رسول اللّه ! عمر - وأنا أشهد أنه رسول اللّه ! وانقلب عمر بعد ذلك إلى محمد وتحدّث وإيّاه بمثل هذا الحديث وهو مغيط محنق . لكن لم يغيّر من صبر النبيّ ولا من عزمه ؛ وكلّ الذي قاله في ختام الحديث لعمر : « أنا عبد اللّه ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني » ثم كان بعد ذلك من صبر محمد حين كتابة العهد ما زاد في حفيظة بعض المسلمين فقد دعا عليّ بن أبي طالب وقال له : « أكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم » . فقال سهيل : « أمسك ، لا أعرف الرحمن الرحيم ، بل

--> ( 1 ) الغرز : الرحل .