محمد حسين هيكل
231
حياة محمد ( ص )
الفصل العشرون عهد الحديبية بعد ست سنوات بالمدينة - دعوة محمد الناس للحج - لا قتال ولا حرب - قريش تقرر الحيلولة بين المسلمين ودخول مكة - مفاوضات الصلح - أناة محمد وسياسته - عهد الحديبية فتح مبين انقضت ست سنوات منذ هجرة النبيّ وأصحابه من مكة إلى المدينة ، وهم فيما رأيت من جهاد مستمر متصل ، بينهم وبين قريش تارة ، وبينهم وبين اليهود أخرى . والإسلام في أثناء ذلك انتشارا ويزداد قوّة ومنعة . ومنذ السنة الأولى من الهجرة عدل محمد بقبلته عن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، وجعل المسلمون وجهتهم بيت اللّه الذي بناه إبراهيم بمكة ، والذي تجدّد بناؤه بعد ذلك ومحمد ما يزال في فتوة الشباب ، وقد رفع إذ ذاك حجره الأسود إلى مكانه من جدار هذا البيت ، وذلك قبل أن يرد بخاطره أو بخاطر أحد من الناس ما سيلقي اللّه عليه من رسالة . صد المسلمين عن المسجد الحرام وكان هذا المسجد الحرام إلى مئات من السنين خلت وجهة العرب في عبادتهم . يحجّون إليه كل عام في الأشهر الحرم ، فمن دخله كان آمنا . فإذا التقى المرء بأشدّ الناس له عداوة لم يستطع عنده أن يجرّد سيفا أو يسفك دما . لكن قريشا آلت على نفسها منذ هاجر محمد والمسلمون معه أن يصدوهم عن المسجد الحرام ، وأن يحولوا بينهم وبينه دون سائر العرب . وفي ذلك نزل قوله تعالى منذ السنة الأولى للهجرة : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ) « 1 » . ونزل كذلك قوله تعالى من بعد غزوة بدر : ( وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) « 2 » . وفي هذه السنوات الست نزلت الآيات كثيرة متتابعة في هذا المسجد الحرام الذي جعله اللّه مثابة للناس وأمنا . لكن قريشا كانت ترى محمدا والذين معه كفروا بالهة هذا البيت : هبل وإساف ونائلة وسائر الأصنام ،
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 217 . ( 2 ) سورة الأنفال الآيات من 34 إلى 36 .