محمد حسين هيكل
232
حياة محمد ( ص )
ولذلك كانت ترى حربهم وحرمانهم من الحج إلى الكعبة واجبا عليها حتى يثوبوا إلى آلهة آبائهم . شوق المسلمين إلى مكة والمسلمون أثناء ذلك يذوقون ألم الحرمان من أداء الواجب الديني المفروض عليهم ، كما كان مفروضا من قبل على آبائهم . والمهاجرون منهم يذوقون إلى جانب ذلك همّا واصبا وألما لذّاعا : ألم النفي ، وهمّ الحرمان من الوطن ومن أهلهم فيه . وهؤلاء وأولئك كانوا في ثقتهم بنصر اللّه ورسوله ونصره إياهم وإعلاء دينهم على الدين كله ، يؤمنون بأن يوما قريبا لا بدّ آت يفتح اللّه لهم فيه أبواب مكة ليطوفوا بالبيت العتيق ، وليؤدوا فريضة فرضها اللّه على الناس جميعا . وإذا كانت تمر تلو السنة فتساجل الغزوة الغزوة ، وتكون بدر ثم أحد ثم الخندق ثم سائر الغزوات والأعمال ، فإن هذا اليوم الذي يؤمنون به لا ريب آت . وما أشدّهم لهذا اليوم شوقا ! وما أشد ما يشاركهم محمد في شوقهم وما يؤكد لهم أن هذا اليوم قريب ! العرب والكعبة والحق أن قريشا ظلموا محمدا وأصحابه بمنعهم من زيارة الكعبة وأداء فرائض الحج والعمرة . فلم يكن هذا البيت العتيق ملكا لقريش ، ولكنه كان ملكا للعرب جميعا . وإنما كانت في قريش سدانة الكعبة وسقاية الحاجّ وما إلى ذلك من العناية بالبيت ورعاية زائريه . ولم يكن اتجاه قبيلة بعبادتها إلى صنم دون آخر ليبيح لقريش منعها من زيارة الكعبة والطواف بها والقيام بما تفرضه عبادة هذا الصنم من شعائر . فإذا جاء محمد ليدعو الناس إلى نبذ عبادة الأصنام وإلى التطهّر من رجس الوثنيّة والشرك ، وإلى السموّ بالنفس إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، والارتفاع في سبيل ذلك فوق كل نقص ، والارتقاء بالروح إلى حيث تستطيع إدراك وحدة الوجود والتوحيد باللّه ، وكان من فرائض ذلك حجّ البيت والعمرة ، فمن العدوان منع أصحاب الدين الجديد من أداء هذه الفريضة . ولكن قريشا خافت إن جاء محمد ومن حوله المؤمنون باللّه وبرسالته ، وهم من صميم أهل مكة ، أن يتعلّق سواد المكّيين بهم وأن يشعروا بما في بقائهم بعيدين عن أهليهم وأبنائهم من ظلم ، فيكون ذلك نواة حرب أهليّة . ثم إن رؤساء قريش وأكابر أهل مكة ، لم ينسوا لمحمد والذين معه أنهم حطموا تجارتهم وحالوا بينهم وبين طريقهم المعبّدة إلى الشام ، وأنهم أثاروا بذلك في نفوسهم من الحقد والبغضاء ما لا يخفف منه أن البيت للّه وللعرب جميعا ، وأنهم لا يملكون من أمره إلا العناية به ورعاية زائريه . المسلمون والكعبة انقضت ست سنوات منذ الهجرة والمسلمون يتحرّقون شوقا يريدون زيارة الكعبة ويريدون الحجّ والعمرة . وإنهم لمجتمعون بالمسجد ذات صباح إذ أنبأهم النبيّ بما ألهم في رؤياه الصادقة : أنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين محلّقين رؤسهم ومقصّرين لا يخافون . فما كاد القوم يسمعون إلى رؤيا رسول اللّه حتى علا بحمد اللّه صوتهم ، وحتى انتقل نبأ هذه الرؤيا إلى سائر أنحاء المدينة في سرعة البرق الخاطف . ولكن كيف يدخلون المسجد الحرام ؟ أفيحاربون في سبيله ؟ أفيجلون قريشا عنه عنوة ؟ ! أم ترى تفتح قريش لهم طريقه مذعنة صاغرة . أذان محمد في الناس بالحج كلا ! لا قتال ولا حرب . بل أذن محمد في الناس بالحج في شهر ذي القعدة الحرام ، وأوفد رسله إلى القبائل من غير المسلمين يدعوهم إلى الاشتراك وإيّاه في الخروج إلى بيت اللّه آمنين غير مقاتلين . وحرص محمد