محمد حسين هيكل

219

حياة محمد ( ص )

الفصل التاسع عشر من الغزوتين إلى الحديبية المرأة والرجل في الإسلام - غزوة بني لحيان - قتل عيينة والأقرع - عزوة بني المصطلق - حديث الإفك تنظيم الجماعة العربية استتبّ الأمر لمحمد والمسلمين بعد غزوة الخندق والقضاء على بني قريظة استتبابا جعل العرب تخافهم أشد الخوف ، وجعل الكثيرين من قريش يفكرون : أليس خيرا لقريش لو أنها هادنت محمدا وصافته وهو منها وهي منه ، والمهاجرون معه بينهم كبراؤها وساداتها ! واستراح المسلمون بعد الذي اطمأنوا إليه من القضاء على اليهود بجوار المدينة قضاء لا تقوم لهم قائمة بعده . ومكثوا بالمدينة لذلك ستة أشهر يباشرون من تجارة الحياة ما يستمتعون معه بشيء من نعمة الحياة ، ويزدادون برسالة محمد إيمانا ولتعاليمه امتثالا ، ويسيرون وإياه في طريق تنظيم الجماعة العربية تنظيما لم يكن مألوفا عندها من قبل ، ولكنه لم يكن منه بدّ في جماعة منظمة ذات كيان ووحدة كالجماعة التي كانت تتكون تحت سلطان الإسلام رويدا رويدا . فقد كانت العرب في الجاهلية لا تعرف لها نظاما ثابتا إلا ما أقرّته عاداتها ولم يكن لها في أمر الأسرة ونظامها ، والزواج وحدوده ، والطلاق وقيوده ، وصلات الزوجين والأبناء ، إلا ما تمليه طبيعة ذلك الجوّ الذي يغلو في الإباحة تارة ليصل من الجمود والتقيد إلى حدود الرقّ وعسفه تارة أخرى . فلينظم الإسلام الجماعة الإسلامية الناشئة التي لمّا تتكوّن تقاليدها ، وليمهدها في وقت قصير لتضع نواة حضارة تنتظم من بعد ذلك حضارة الفرس والروم والمصريين ، وتطبعها بطابعها الإسلاميّ الذي يتدرّج رويدا رويدا حتى يصل إلى كماله يوم ينزل قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) « 1 » . صلات الرجل والمرأة ومهما يكن الرأي في حضارة العرب قبل الإسلام وبداوتها ، وهل كانت القرى من أمثال مكة والمدينة ذات حضارة لا تعرفها البادية ، أو أنها كانت أيضا في أوليات مراتب الحضارة ، فإنّ صلات الرجل والمرأة في هذه الجماعة العربية كلها لم تكن تعدو ، بشهادة القرآن وبشهادة ما بقي من آثار ذلك العهد ، صلات الذكورة والأنوثة ، مع تفاوت تمليه مراتب الطوائف والعشائر لا يبعد عن هذا الوضع القريب من مراتب الإنسان

--> ( 1 ) سورة المائدة آية 3 .