محمد حسين هيكل
220
حياة محمد ( ص )
الأوّل . ولذلك كان النسوة يتبرّجن في الجاهليّة الأولى ويبدين من زينتهن ما لا يقف أمره عند بعولتهن ، وكنّ يخرجن فرادى ومثنى وزرافات لحاجتهن يقضينها في غوطة الصحراء فليلقاهن الشبّان والرجال وهن يتهادين في جماعتهن ، فلا يأبى هؤلاء ولا أولئك أن يتبادلوا أشهى النظرات ومعسول الحديث مما يستريح إليه الذكر وتطمئن إليه الأنثى . وبلغ من أمر هذه الصلة وما وقرت في النفوس ، أن لم تأب هند زوج أبي سفيان أن تقول في أشد مواقف الجد والشدة ، وهي تحثّ قريشا حين الحرب يوم أحد : إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق ولم يكن الزنا يومئذ بالجريمة ذات الخطر والشأن في بعض القبائل . وكان الغزل بعض معروف العرب جميعا . ولقد ذكر الرواة عن هند هذه ، على ما كان لأبي سفيان من مكانة وخطر ، أحاديث غرام وهوى لم تغير من مكانتها في قومها ولا بين أهلها . ثم إن المرأة كانت إذا ولدت ، ولم يعرف لمولودها أب ، لم تأب أن تذكر من لامسها من الرجال لينسب مولودها إلى أيّهم كان أقرب إليه شبها . ولم يكن إلى ذلك الوقت لتعداد الزواج ولا للرق حدّ أو قيد . كان للرجل أن يتزوّج ما شاء ، وأن يتسرى ما شاء ، وكان لهؤلاء ، ولأولئك أن يلدوا ما شاؤوا . وكان الأمر في ذلك لا خطر له إلا أن يتضح وتخشى معرّته ، وما قد يجر وراءه من أهاجيّ تتبادل لا يدري أحد ما ينجم عنها من خصومة وقتال . هنالك يتبدّل الأمر غير الأمر ، وترى ما كانت المودّة قد سترت من قبل من ملاحم الهوى ووثبات الغرام ، قد هتكته الخصومة فجعلته سببا لملاحم القتال ووثبات النزال . وإذا شبت الخصومة فلكلّ أن يتقوّل ما شاء وأن يزعم ما يريد . وخيال العربي خضب ، بطبيعة عيشه تحت السماء ، وتجواله الدائم في طلب الرزق ، واضطراره إلى المغالاة وإلى الكذب أحيانا في شؤون التجارة . والعربيّ مولع بالفراغ الذي يغريه بالغزل ويزيد خياله في السّلم والحرب خصبا . فإذا وقف زيد في السّلم يحادث هندا حديث هوى لم يزد على شهيّ اللفظ تساقطه لآلئ الثنايا العذاب ، رأيت زيدا هذا حين الخصومة والحرب يرفع عقيرته بهند ، وقد لقيها أمامه متجرّدة ؛ يقول في نحرها وصدرها ونهدها وخصرها وعجيزتها وما دون ذلك ما شاءت له أفانين الخصومة ، واهتياج الخيال الذي لا يعرف في المرأة غير الأنثى وغير ما تفرش من النمارق . ومع ما قضى الإسلام على هذه النفسيّة فقد بقي من آثارها ما نقرؤه في مثل شعر عمر بن أبي ربيعة ، وما تأثّر به شعر الغزل في العربية إلى عصور كثيرة ، وما لا يزال له أثره ، ولو إلى حد قليل ، في شعر عصرنا الحاضر . المرأة عند العرب وأوروبا في ذلك العصر ربما بدأ هذا التصوير للقارئ المعجب بالعرب وحضارتهم ، وللمعجّب حتى بعرب الجاهليّة ، مشوبا بشيء من الغلوّ . وللقارئ العذر من ذلك ، إذ يوازن بين هذه الصورة التي وضعنا أمامه ، وما هو واقع بالفعل في عصرنا الحاضر وما نرجو أن تصل إليه صلات الرجل والمرأة في الزواج والطلاق وصلات الزوجين والأبناء . لكن موازنة كهذه مخطئة جديرة أن تجرّ إلى أفحش الضّلال . إنما يجب أن يوازن بين الجماعة العربية التي صورنا إحدى نواحيها في القرن السابع المسيحي ، والجماعات الإنسانية في ذلك العصر . وما أحسبنا نغالي إذا قلنا : إن الجماعات العربية كانت ، مع ما وصفنا من أمرها ، خيرا بكثير من الجماعات المعاصرة لها في آسيا وفي أوروبا . ولسنا نقف عندما كان من ذلك في الصين أو في الهند ، فما لدينا من المعلومات عنه قليل لا غناء فيه . لكن أوروبا الشمالية وأوروبا الغربية كانت يومئذ في ظلمات تبيح لك أن تصوّر من نظام الأسرة فيها ما تريد مما يقرب من أوليات مراتب الإنسانية . وكانت الروم ، وهي صاحبة الشرع يومئذ وصاحبة الغلب والسيادة