محمد حسين هيكل
213
حياة محمد ( ص )
بأناشيد الفوز ويستمتعون باقتسام الغنائم والأسلاب . وماذا عسى أن يمسك غطفان عن أن تعود أدراجها وهي إنما اشتركت في الحرب لأن اليهود وعدتها متى تم النصر ، ثمار سنة كاملة من ثمار مزارع خيبر وحدائقها ، وها هي ذي ترى النصر غير ميسور ، أو هو على الأقل غير محقق ، وهو يحتاج من المشقة في هذا الفصل القارس إلى ما ينسيها الثمار والحدائق ! فأما انتقام قريش لنفسها من بدر ومما لحقها بعد بدر من هزائم ، فأمره مدرك على الأيام ما دام هذا الخندق يحول دون إمساك محمد بالتلابيب ، وما دامت بنو قريظة تمدّ أهل يثرب بالمؤونة إمدادا يطيل أمد مقاومتهم شهورا وشهورا . أفليس خيرا للأحزاب أن يعودوا أدراجهم ؟ ! نعم ! لكن جمع هؤلاء الأحزاب لجرب محمد مرّة أخرى ليس بالأمر الميسور . وقد استطاع اليهود ، وحييّ بن أخطب على رأسهم ، أن يجمعوها هذه المرّة للانتقام لأنفسهم من محمد وأصحابه عما أوقع بهم وببني قينقاع من قبلهم . فإن أفلتت الفرصة فهيهات هيهات أن تعود ، وإن انتصر محمد بانسحاب الأحزاب فالويل ثم الويل لليهود . خوف حيي من انسحاب الأحزاب قدر حييّ بن أخطب هذا كله ، وخاف مغبّته ، ورأى أن لا مفرّ من أن يقامر باخر سهم عنده . فأوحى إلى الأحزاب أنه مقنع بني قريظة بنقض عهد موادعتهم محمدا والمسلمين والانضمام إليهم ، وأن قريظة متى فعلت انقطع المدد والميرة عن محمد من ناحية ، وفتح الطريق لدخول يثرب من ناحية أخرى . وسرّت قريش وغطفان بما ذكر حيّي ، وسارع هو فذهب يريد كعب بن أسد صاحب عقد بني قريظة . وقد أغلق كعب دونه باب حصنه أول ما عرف مقدمه عليه ، مقدّرا أن غدر قريظة بمحمد ونقضها عهده وانضمامها إلى عدوه قد يفيده ويفيد اليهود إذا دارت الدوائر على المسلمين ، لكنه جدير بأن يمحوها محوا إذا هزمت الأحزاب وانصرفت قواتها عن المدينة . غير أن حييّا ما زال به حتى فتح له باب الحصن ثم قال له : « ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر وببحر طام . جئتك بقريش وبغطفان مع قادتها وسادتها ، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه » وتردد كعب وذكر وفاء محمد وصدقه لعهده ، وخشي مغبّة ما يدعوه حيّيّ إليه . لكن حييّا ما زال به يذكر له ما أصاب اليهود من محمد وما يوشك أن يصيبهم منه إذا لم تنجح الأحزاب في القضاء عليه ، ويصف له قوة الأحزاب وعدتها وعددها ، وأنها لم يمنعها غير الخندق أن تقضي في سويعة على المسلمين جميعا ، حتى لان كعب له ، فسأله : وماذا يكون إذا ارتدّت الأحزاب ؟ هناك أعطاه حييّ موثقا إن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن يدخل معه في حصنه فيشركه في حظه . وتحركت في نفس كعب يهوديته فقبل ما طلب ونقض عهده مع محمد والمسلمين وخرج من حياده . رسل محمد إلى قريظة واتّصل نبأ انضمام قريظة إلى الأحزاب بمحمد وأصحابه ، فاهتزّوا له وخافوا مغبّته . وبعث محمد سعد بن معاذ سيّد الأوس وسعد بن عبادة سيّد الخزرج ومعهما عبد اللّه بن رواحة بن جبير ليقفوا على جلية الأمر ، على أن يلحنوا « 1 » به عند عودتهم إن كان حقّا حتى لا يفتّوا في أعضاد الناس . فلمّا أتى هؤلاء الرسل ألفوا قريظة على أخبث ما بلغهم عنهم . فلمّا حاولوا ردّهم إلى عهدهم طلب كعب إليهم أن يردوا إخوانهم يهود بني النّضير إلى ديارهم . وأراد سعد بن معاذ ، وكان حليف قريظة ، أن يقنعها مخافة أن يحلّ بها ما حلّ ببني النضير أو ما هو شرّ منه ؛ فانطلقت اليهود ووقعوا في محمد عليه السّلام : وقال كعب : من رسول اللّه ! ! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد . وكان الفريقان يتشاتمان .
--> ( 1 ) اللحن هنا : الإشارة والتعريض .