محمد حسين هيكل

214

حياة محمد ( ص )

نفسية الأحزاب تقوى رجع رسل محمد إليه بما رأوا . هنالك عظم البلاء واشتد الخوف ، ورأى أهل المدينة طريق قريظة وقد فتح للأحزاب فدخلوا عليهم وأستأصلوهم . ولم يكن ذلك محض خيال ووهم ، فهم رأوا قريظة تقطع المدد والميرة عنهم ، ورأوا قريشا وغطفان ، منذ عاد حييّ بن أخطب ينئبهم بانضمام قريظة إليهم ، قد تغيّرت نفسيّتهم وأخذوا يعدون أنفسهم للقتال . وذلك أن قريظة استمهلت الأحزاب عشرة أيام تعدّ فيها عدتها على أن تقاتل الأحزاب المسلمين في هذه الأيام العشرة أشدّ القتال . وذلك ما فعلوا . فقد ألفوا ثلاث كتائب لمحاربة النبيّ ؛ فأتت كتيبة ابن الأعور السلميّ من فوق الوادي ، وأتت كتيبة عيينة بن حصن من الجنب ، ونصب له أبو سفيان من قبل الخندق . وفي هذا الموقف نزلت هذه الآيات : فزع أهل يثرب ( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ) « 1 » ولأهل يثرب أبلغ العذر إن هم بلغ منهم الفزع وزلزلت قلوبهم . ولمن قال منهم العذر في أن يقول : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط . وللذين زاغت أبصارهم العذر في أن تزيغ . وللذين بلغت قلوبهم الحناجر العذر في أن تبلغها . أليس هو الموت يرون آتيا بالشرر عينه ، مصوّرة في بريق هذه السيوف تلمع في أيدي قريش وفي أيدي غطفان ، وتدبّ إلى القلب مخافته متسللة من منازل بني قريظة الغدرة الخائنين ! ألا ويل لليهود ! ما كان أجدر محمدا بأن يقضي على بني النّضير وأن يستأصلهم بدل أن يذرهم يرتحلون موفورين ، وأن يذر حييّا والذين معه يؤلبون العرب على المسلمين ليستأصلوهم . ألا إنها الطامّة الكبرى والفزع الأكبر ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه ! وسمت روح الأحزاب المعنوية ، حتى دفعت بعض فوارس من قريش ، منهم عمرو بن عبدودّ ، وعكرمة بن أبي جهل ، وضرار بن الخطاب ، أن يقتحموا الخندق ، فتيمموا مكانا منه ضيقا فضربوا خيلهم فاجتازته فجالت بهم في السّبحة بين الخندق ، وسلع . وخرج عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحمت منها خيلهم ، وتقدم عمرو بن عبدودّ ينادي . من يبارز ؟ ولمّا دعاه ابن أبي طالب إلى النزال قال في صلف : لم يا بن أخي ! فو اللّه ما أحبّ أن أقتلك . قال عليّ : لكني أحب واللّه أن أقتلك . فتنازلا فقتله عليّ ؛ وفرّت خيل الأحزاب منهزمة ، حتى اقتحمت الخندق من جديد مولّية الأدبار لا تلوي على شيء . وأقبل نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة على فرس له بعد ما غربت الشّمس يريد أن يجتاز الخندق ، فهوى هو والفرس فيه فصرعا وتحطّما . وأرسل أبو سفيان يعرض دية جثته مائة من الإبل ، فرفض النبي عليه السلام وقال : خذوه فإنه خبيث خبيث الدّية . استهانة قريظة بالمسلمين وأعظمت الأحزاب نيرانها مبالغة في تخويف المسلمين وإضعافا لروحهم ، وبدأ المتحمسون من قريظة

--> ( 1 ) سورة الأحزاب الآيات من 10 إلى 13 .