محمد حسين هيكل

210

حياة محمد ( ص )

الفصل الثامن عشر غزوتا الخندق وبني قريظة حيي بن أخطب وتأليبه العرب جميعا على المسلمين - عشرة آلاف مقاتل يقصدون المدينة - سلمان الفارسي يشير بحفر الخندق حولها - حصار قريش وغطفان إياها - نقض بني قريظة عهدهم مع المسلمين - ضياع الثقة بين العرب واليهود - انسحاب العرب عن المدينة - محاصرة بني قريظة القضاء عليهم بالقتل . . . الغريزة العربية وحذر محمد آن للمسلمين بعد إجلائهم بني النّضير عن المدينة ، وبعد بدر الآخرة ، وبعد غزوتي غطفان ودومة الجندل ، أن يركنوا إلى شيء من الطمأنينة إلى الحياة بالمدينة . وذهبوا ينظّمون عيشهم ، وكان من بعد أقلّ شظفا بما غنموا في غزواتهم هذه ، وإن كانت قد صرفتهم في كثير عن الزرع والتجارة . وكان محمد على طمأنينته حذرا دائما غدرة العدوّ ، باثّا دائما عيونه وأرصاده في أنحاء شبه الجزيرة ينقلبون إليه من أخبار العرب وما يأتمرون به ما يمهد له دائما فرصة الأهبة لدفاع المسلمين عن أنفسهم . ومن اليسير عليك أن تقدر ضرورة الحذر والحيطة بعد كل الذي رأيت من غدّرات قريش وغير قريش بالمسلمين ، ومن أن بلاد العرب كلها كانت في ذلك الحين ، وكانت من بعد ذلك في أكثر أطوار تاريخها ، أشبه بمجموعة جمهوريات مستقلة كل واحدة منها عن سائرها ، تتخذ كل واحدة منها نظاما هو أقرب ما يكون إلى نظام القبائل ، وتضطر لذلك إلى الاحتماء بعادات وتقاليد لا يألفها تصورنا في الأمم المنظمة . وكان محمد أشدّ ما يكون حذرا أن كان عربيّا بقدر ما ركّب في الغريزة العربية من الحرص على الثأر . وقد كانت قريش وكان يهود بني قينقاع ويهود بني النضير وعرب غطفان وهذيل والقبائل المتاخمة للشام ، تتربص كل واحدة منها بمحمد وأصحابه الدوائر ، وتودّ كل واحدة منها لو تستطيع أن تجد الفرصة لإدراك ثارها من هذا الرجل الذي فرق العرب في دينها شيعا ، والذي خرج من مكة مهاجرا لا حول له ولا قوّة إلا ما يملأ نفسه الكبيرة من الإيمان ، وها هو ذا في خمس سنوات قد أصبح له من الحول ومن القوّة ما جعله مرهوب الجانب من أشدّ مدائن العرب ومن أشدّ قبائلها حولا وقوّة . شدّة خصومة اليهود ولقد كان اليهود أبصر خصوم محمد بتعاليمه وبمصير دعوته ، وكانوا أكثرهم تقديرا لما يصيبهم بانتصاره . فهم كانوا في بلاد العرب دعاة التوحيد ، وكانوا ينافسون المسيحيين في سلطانهم ويأملون مغالبتهم والتغلب عليهم . ولعلهم كانوا على حق أن كانت الساميّة أميل بطبعها إلى فكرة التوحيد ، على حين كان التثليث