محمد حسين هيكل

211

حياة محمد ( ص )

لمسيحيّ مما لا يسهل على هذه النفس الحاميّة مساغه . وهذا محمد من صميم العرب ومن صميم الساميين ، يدعو إلى التوحيد بعبارات قويّة نفاذة تأخذ بمجامع الفؤاد ، وتصل إلى أعماق القلب ، وتسمو بالإنسان إلى ما فوق نفسه . وها هو ذا قد بلغ من القوّة حتى أخرج بني قينقاع من المدينة ، وحتى أجلى بني النّضير عن ديارهم ؟ فهل يتركونه وشأنه منصرفين إلى الشام وإلى وطنهم الأوّل بيت المقدس في أرض المعاد ، أم تراهم يحاولون تأليب العرب عليه ليأخذوا بالثأر منه ؟ رسل اليهود إلى قريش كانت فكرة تأليب العرب هي الفكرة التي اختمرت في نفوس أكابر بني النّضير . وتنفيذا لها خرج نفر منهم ، ومن بينهم حييّ بن أخطب وسلّام بن أبي الحقيق وكنانة بن أبي الحقيق ، ومعهم نفر من بني وائل هوذة بن قيس وأبو عمّار ، حتى قدموا على قريش مكة . فسأل أهلها حييّا عن قومه ، فقال : تركتهم بين خيبر والمدينة يتردّدون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه . وسألوه عن قريظة ، فقال : أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد ، حتى تأتوهم فيميلوا معكم . وتردّدت قريش أتقدم أم تحجم ؛ فليس بينها وبين محمد خلاف إلا على الدعوة التي يدعو إلى اللّه . أليس من الممكن أن يكون على حقّ ما دامت كلمته تزداد كل يوم رفعة وسموّا ؟ ! وقالت قريش لليهود : يا معشر يهود ، إنكم أهل الكتاب الأوّل وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ، أفديننا خير أم دينه ؟ ! قالت اليهود : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه . وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) « 1 » . وفي موقف اليهود هذا من قريش وتفضيلهم وثنيّتهم على توحيد محمد يقول الدكتور إسرائيل ولفنسون في كتابه ( تاريخ اليهود في بلاد العرب ) : « كان من واجب هؤلاء ألّا يتورّطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش ، وإلّا يصرّحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلاميّ ولو أدّى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطالبهم ؛ لأن بني إسرائيل الذين كانوا مدّة قرون حاملي راية التوحيد في العالم بين الأمم الوثنية باسم الآباء الأقدمين ، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد في عصور شتّى من الأدوار التاريخية ، كان من واجبهم أن يضحّوا بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين . هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبّاد الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم ويناقضون تعاليم التوراة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام وبالوقوف منهم موقف الخصومة » . اليهود يؤلبون سائر العرب لم يكف حييّ بن أخطب واليهود الذين معه هذا الذي قالوا لقريش في تفضيل وثنيّتها على توحيد محمد حتى تنشط لمحاربته ، وأن يأخذوا وإيّاهم لذلك بعد أشهر موعدا ، بل خرج أولئك اليهود إلى غطفان من قيس عيلان ، ومن بني مرّة ، ومن بني فزارة ، ومن أشجع ، ومن سليم ومن بني سعد ، ومن أسد ، ومن كل من لهم عند المسلمين ثأر ، وما زالوا بهم يحرّضونهم على الأخذ بثأرهم ويذكرون لهم متابعة قريش إياهم على حرب محمد ويحمدون لهم وثنيّتهم ، ويعدونهم النصر لا محالة . وخرجت الأحزاب التي جمع اليهود لحرب محمد

--> ( 1 ) سورة النساء آيتا 51 و 52 .