محمد حسين هيكل

209

حياة محمد ( ص )

هذه رواية التاريخ الصحيح في أمر زينب بنت جحش وزواج محمد منها . فهي ابنة عمّته يراها ويعرف مبلغ جمالها قبل أن تتزوج زيدا ، وهو الذي خطبها على زيد ، وهو كان يراها بعد أن تزوّجت زيدا أن لم يكن الحجاب معروفا يومئذ . على أنه كان من شأنها ، بحكم صلة القرابة من ناحية ، وأنها زوج دعيّه زيد من ناحية أخرى ، أن تتّصل به لمصالحها ولتكرار شكوى زيد منها . وقد نزلت هذه الأحكام جميعا ، فأيدها ما حصل من زواج زيد لزينب وتطليقه إيّاها وزواج محمد منها بعد ذلك ؛ هذه الأحكام التي ترفع المعتق إلى مكانة الحرّ الشريف ، والتي تبطل حقوق الأدعياء وتقضي عليها بصورة عملية لا محل للبس ولا لتأويل بعدها . أفيبقى بعد ذلك أثر هذه الأقاصيص التي يكرّرها المستشرقون والمبشرون ، ويردّدها موير وإرفنج وسبرنجر وفيل ودرمنجم ولا منس وغيرهم ممن تناولوا كتابة حياة محمد ؟ ! ألا إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم أخرى ، والخصومة القديمة للإسلام خصومة تأصّلت في النفوس منذ الحروب الصّليبيّة ، هي التي تملي على هؤلاء جميعا ما يكتبون وتجعلهم في أمر أزواج النبي ، وفي أمر زواجه من زينب بنت جحش خاصة ، يتجنون على التاريخ ، ويتلمّسون أضعف الروايات فيه مما دسّ عليه ونسب إليه . سمو محمد بمكانة المرأة ولو أنّ ما ذكروا كان صحيحا ، لكان في مقدورنا أن نجبهه بأن العظمة لا تخضع لقانون ، وبأن موسى وعيسى ويونس من قبل ، قد سموا فوق نواميس الطبيعة وسنن الاجتماع ، بعضهم بمولده ، وبعضهم في حياته ، فلم يطعن ذلك في عظمتهم . لكن محمدا كان يضع سنن الاجتماع بوحي ربه ، وكان ينفذّها بأمر ربه ، وكان بذلك المثل الأسمى ، والأسوة الحسنة ، في تنفيذ ما أمر ربه . أفكان أولئك المبشرون يريدونه على أن يطلّق أزواجه فلا يزيد على الأربع كما شرع للمسلمين من بعد زواجه منهنّ جميعا ؟ وهل كانوا يومئذ يعفونه من نقدهم ؟ ! على أن معاملة محمد لأزواجه معاملة بلغت من السمو ما رأيت شيئا منه في حديث عمر بن الخطاب الذي سقنا ، وسترى كثيرا منه خلال فصول هذا الكتاب ، ستكون المثل الناطق على أنه لم يحترم المرأة أحد ما احترمها محمد ، ولم يسم بها إلى المكان اللائق بها ما سما محمد .