محمد حسين هيكل

205

حياة محمد ( ص )

فأرادوا أن يصوّروا محمدا عظيما في كل شيء ، عظيما حتى في شهوات الدنيا . وهذا تصوير خاطئ ينكره تاريخ محمد أشد إنكار ، وتأبى حياته كلها أن تقرّه . إلى الخمسين لم يتزوج غير خديجة فهو قد تزوج خديجة وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، وهو في شرخ الصّبا وريعان الفتوة ووسامة الطلعة وجمال القسمات وكمال الرجولية . مع ذلك ظلّت خديجة وحدها زوجة ثمانيا وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين ، هذا على حين كان تعدد الزوجات أمرا شائعا بين العرب في ذلك العهد . وعلى حين كان لمحمد مندوحة في التزوّج على خديجة ، أن لم يعش له منها ذكر ، في وقت كانت توأد فيه البنات ، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفا . وقد ظل محمد مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يشرك معها غيرها في فراشه . ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها أنه كان ممن تغريهم مفاتن النساء في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب ، بل كانت النساء يتبرّجن فيه ويبدين من زينتهنّ ما حرم الإسلام من بعد . . . فمن غير الطبيعي أن تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي يجعله ما يكاد يرى بنت جحش ، وعنده نساء خمس غيرها من بينهنّ عائشة التي أحب وظل يحب طوال حياته ، حتى يفتن بها وحتى تستغرق تفكيره ليله ونهاره . وليس من الطبيعي أن تراه ، وقد تخطّى الخمسين ، يجمع في خمس سنوات أكثر من سبع زوجات ، وفي سبع سنوات تسع زوجات ، وذلك كله بدافع من الرغبة في النساء ، رغبة صوّرها بعض كتاب المسلمين ، وحذا الإفرنج حذوهم ، تصويرا لا يليق في ضعته برجل مادّي بله عظيم استطاعت رسالته أن تنقل العالم وأن تغيّر مجرى التاريخ ، وما تزال على استعداد لأن تنقل العالم مرّة أخرى وتغير مجرى التاريخ طورا جديدا . خديجة وحدها التي أعقبت وإذا كان هذا عجيبا وكان غير طبيعي ، فمن العجيب كذلك أن نرى محمدا تلد له خديجة ما ولدت من بنيه وبناته إلى ما قبل الخمسين ، وأن نرى ماريّة تلد له إبراهيم وهو في الستين ، وإلّا تلد غير هاتين من نسائه ، وكلهنّ بين شابّة في مقتبل العمر لا يمنع من ناحيتها ولا من ناحيته أن تحمل وأن تلد ، وبين امرأة كملت لها أنوثتها فتخطّت الثلاثين أو تخطّت الأربعين وكان لها ولد من قبل . فكيف تفسّر هذه الظاهرة العجيبة من ظاهرات حياة النبيّ ، هذه الظاهرة التي لا تخضع للقوانين الطبيعية في تسع نسوة جميعا ؟ ! هذا وقد كانت نفس محمد ، باعتبار أنه إنسان ، تميل من غير ريب إلى أن يكون له ولد ، وإن كان مقام النبوّة والرسالة قد جعله من الناحية الروحية أبا للمسلمين جميعا . زواج سودة بنت زمعة ثم إن التاريخ ومنطق حوادثه أصدق شاهد بكذب رواية المبشرين والمستشرقين في شأن تعدّد زواج النبي . فهو كما قدّمنا ، لم يشرك مع خديجة أحدا مدى ثمان وعشرين سنة . فلما قبضها اللّه إليه تزوّج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد شمس . ولم يرو راو أن سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو المكانة بما يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثرا في زواجه منها . إنما كانت سودة زوجا لرجل من السابقين إلى الإسلام الذين احتملوا في سبيله الأذى والذين هاجروا إلى الحبشة بعد أن أمرهم النبيّ بالهجرة وراء البحر إليها . وقد أسلمت سودة وهاجرت معه ، وعانت من المشاقّ ما عانى ، ولقيت من الأذى ما لقي . فإذا تزوّجها