محمد حسين هيكل
206
حياة محمد ( ص )
محمد بعد ذلك ليعولها وليرتفع بمكانتها إلى أمومة المؤمنين ، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلّ الحمد . أمّا عائشة وحفصة فكانتا ابنتي وزيريه أبي بكر وعمر . وهذا الاعتبار هو الذي دعا محمدا أن يرتبط وإياهما برابطة المصاهرة بالتزوج من ابنتيهما ، كما دعاه أن يرتبط بعثمان وبعلي برابطة المصاهرة بتزويجه ابنتيه منهما . وإذا صح القول في عائشة وفي حبه إيّاها ، فإنما ذلك حبّ نشأ بعد الزواج لا حينه . فهو قد خطبها إلى أبيها وما تزال في التاسعة من عمرها ، وقد بقيت سنتين قبل أن يا بني بها . فليس مما يرضاه المنطق أن يكون قد أحبّها وهي في هذه السنّ الصغيرة . يؤيد ذلك زواجه من حفصة بنت عمر في غير حبّ بشهادة أبيها نفسه . قال عمر : « واللّه إن كنا في الجاهليّة ما نعدّ للنساء أمرا حتى أنزل اللّه فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم . قال : فبينما أنا في أمر آتمره إذ قالت لي امرأتي : لو صنعت كذا وكذا ! فقلت لها : ومالك أنت ولما هاهنا وما تكلفك في أمر أريده ! فقالت لي : عجبا لك يا ابن الخطاب ! ما تريد أن تراجع أنت وإنّ ابنتك لتراجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى يظلّ يومه غضبان ! قال عمر : فاخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة ، فقلت لها : يا بنية إنك لتراجعين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حتى يظلّ يومه غضبان ؟ فقالت حفصة : واللّه إنّا لنراجعه فقلت : تعلمين أني أحذرك عقوبة اللّه وغضب رسوله . يا بنيّة لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها وحبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إيّاها . . . . وقال : واللّه لقد علمت أن رسول اللّه لا يحبك ولولا أنا لطلقك » . أفرأيت إذا أنّ محمدا لم يتزوج من عائشة ولم يتزوج من حفصة لحب أو لرغبة ، وإنما تزوج منهما ليمتّن أواصر هذه الجماعة الإسلامية الناشئة في شخصي وزيريه ، كما تزوج من سودة ليعلم المجاهدين من المسلمين أنهم إذا استشهدوا في سبيل اللّه فلن يتركوا وراءهم نسوة وذرية ضعافا يخافون عليهم عيلة . يقطع في ذلك زواجه من زينب بنت خزيمة ومن أمّ سلمة . فقد كانت زينب زوجا لعبيدة بن الحارث بن المطلب الذي استشهد يوم بدر ، ولم تكن ذات جمال ، وإنما عرفت بطيبتها وإحسانها حتى لقبت أمّ المساكين ؛ وكانت قد تخطّت الشباب ، فلم يك إلا سنة أو سنتان ثم قبضها اللّه ؛ فكانت بعد خديجة الوحيدة من أزواج النبيّ التي توفيت قبله . أمّا أمّ سلمة فكانت زوجا لأبي سلمة وكان لها منه أبناء عدّة ، وقد سبق القول : إن أبا سلمة جرح في أحد ثم برأ جرحه ، فعقد له النبي لحرب بني أسد فشتّتهم وعاد إلى المدينة بما غنم ، ثم نغر عليه جرح أحد وما زال به حتى قضى عليه . وقد حضره النبي وهو على فراش موته ، وظل إلى جانبه يدعو له بخير حتى مات فأسبل عينيه . وبعد أربعة أشهر من وفاته خطب محمد أمّ سلمة إلى نفسها ؛ فاعتذرت بكثرة العيال وبأنها تخطّت الشباب ، فما زال بها حتى تزوّج منها وحتى أخذ نفسه بالعناية بتنشئة أبنائها . أبعد ذلك يزعم المبشرون والمستشرقون أن أم سلمة كانت ذات جمال هو الذي دعا محمدا إلى التزوّج منها ! إن يكن ذلك فقد كانت غيرها ، من بنات المهاجرين والأنصار ، من تفوقها جمالا وشبابا وثروة ونضرة ومن لا يبهظه عبء عيالها . لكنه إنما تزوّج منها لهذا الاعتبار السامي الذي دعاه ليتزوج زينب بنت خزيمة ، والذي زاد المسلمين به تعلقا وجعلهم يرون فيه نبيّ اللّه ورسوله ، ويرون فيه إلى جانب ذلك أبا لهم جميعا : أبا لكل مسكين ومحروم وضعيف وبائس وعاجز ، أبا لكل من فقد أباه شهيدا في سبيل اللّه . التمحيص التاريخي وما يستنبطه ماذا يستنيط التمحيص التاريخي النزيه مما تقدم ؟ يستنبط أن محمدا نصح بالزوجة الواحدة في الحياة العادية . هو قد دعا إلى ذلك بمثله الذي ضربه في حياة خديجة ، وبه نزل القرآن في قوله تعالى : ( فَانْكِحُوا ما