محمد حسين هيكل
204
حياة محمد ( ص )
بنت جحش كما يصورها المستشرقون ويطلق المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان حين يتحدّثون من تاريخ محمد في هذا الموضوع ، حتى ليصوّر بعضهم زينب ساعة رآها النبيّ وهي نصف عارية أو تكاد ، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها الناطق بما يكنّه من كل معاني الهوى ، وليذكر آخرون أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار غرفة زينب وكانت ممدّدة على فراشها في ثياب نومها ، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها ، فكتم ما في نفسه وإن لم يطق الصبر على ذلك طويلا ! ! وأمثال هذه الصورة التي أبدعها الخيال كثير ، تراه في موير وفي در منجم وفي واشنطن إرفنج وفي لامنس وغيرهم من المستشرقين والمبشرين . ومما يدعو إلى أشدّ الأسف أن هؤلاء جميعا اعتمدوا في روايتهم على ما ورد في بعض كتب السيرة والكثير من الحديث ، ثم أقاموا على ما صوّروا قصورا من الخيال في شأن محمد وصلته بالمرأة ، واستدلوا على ذلك بكثرة أزواجه حتى بلغن تسعا في القول الراجح ، وحتى بلغن أكثر من ذلك في بعض الروايات . العظماء لا يخضعون لقانون كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بقولنا : فلتكن صحيحة ؛ فماذا فيها مما يطعن على عظمة محمد أو على نبوّته ورسالته ؟ ! إنّ القوانين التي يجري على الناس لا سلطان لها على العظماء ، فأولى ألّا يكون لها سلطان على المرسلين والأنبياء . ألم ير موسى عليه السلام خلافا بين رجلين هذا من شيعته وهذا من عدوّه ، فوكز الذي من عدوّه فقضى عليه ، وهذا قتل محرّم في غير حرب ولا شبه حرب ، وهذا مخالف للقانون . مع ذلك لم يخضع موسى للقانون ولم يطعن ذلك في نبوّته ولا في رسالته ، ولم يطعن في عظمته . وشأن عيسى في مخالفة القانون أكبر من شأن موسى ومن شأن محمد ومن شأن الأنبياء والمرسلين جميعا . فليس يقف أمره عند بسطة في القوة أو الرغبة ، بل خرج بمولده وبحياته على قوانين الطبيعة وسننها جميعا . تمثّل لأمّه مريم روح الرحمن بشرا سويّا ، ليهب لها غلاما زكيّا ، فعجبت وقالت : أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيّا ! قال الرسول : إن اللّه يريد أن يجعله آية للناس ، فلمّا جاءها المخاض قالت : يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا . فنادها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريّا . وأتت به قومها تحمله ، فقالوا : لقد جئت شيئا فريّا . فحدثهم عيسى في مهده قال : إني عبد اللّه . . . إلى آخر ما قال . ومهما يكن من إنكار اليهود لهذا كله ، ومن نسبتهم عيسى إلى يوسف النّجار نسبة لا يزال بعض العلماء من أمثال رينان يأخذون اليوم بها . فقد كانت عظمة عيسى ونبوّته ورسالته دليل معجزة اللّه فيه وخرقه لنواميس الكون وسنن الطبيعة وقوانين الخلق من أجله . فمن عجب أن يدعو المسيحيون المبشرون إلى الإيمان بهذا الخروج على سنة الكون في أمر عيسى ، وأن يأخذوا محمدا بما هو دونه ، وما لا يزيد على أنه سمّو من الخضوع لقانون المجتمع يسمح به لكل عظيم ، ويسمح به للملوك ورؤساء الدول الذين تقدّسهم الدساتير وتجعل ذواتهم مصونة لا تمّس . كان في مقدورنا أن نجبه هذه الأقوال جميعا بهذا الردّ . وكان فيه من غير شك ما يسقط حجة المبشرين ومن ينهجون نهجهم من المستشرقين . لكنا في هذا كنا نجني على التاريخ ونجني على عظمة محمد وجلال رسالته . فهو لم يكن ، كما صوّر هؤلاء وأولئك ، رجلا يأخذ بعقله الهوى ، وهو لم يتزوج من تزوّج من نسائه بدافع من شهوة أو غرام . وإذا كان بعض الكتّاب المسلمين في بعض العصور قد أباحوا لأنفسهم أن يقولوا هذا القول ، وأن يقدّموا لخصوم الإسلام عن حسن نية هذه الحجة ، فذلك لأنهم انحدر بهم التقليد إلى المادية ،