محمد حسين هيكل

198

حياة محمد ( ص )

مغضبة وصاح : « اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا » ، فأخذت القوم الرجفة من صيحته ، واستلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته ، ثم قتلوه . وكذلك استشهد خبيب كما استشهد زيد في سبيل بارئه وسبيل دينه ونبيه . وكذلك ارتفع إلى السماء هذان الروحان الطاهران وكان في استطاعة صاحبيهما أن يستنقذهما من القتل إن رضيا الردة عن دينهما لكنهما في يقينهما باللّه وبالروح وبيوم البعث ، يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت ولا تزر وازرة وزر أخرى ، رأيا الموت ، وهو غاية كل حيّ ، خير ما يكون غاية للحياة في سبيل العقيدة وفي سبيل الإيمان بالحق ؛ ولكنهما آمنا بأن دمهما الزكيّ الطهور الذي أريق على أرض مكة سيدعو إليها إخوانهم المسلمين يدخلونها فاتحين يحطمون أصنامها ، ويطهرونها من رجس الوثنيّة والشرك ، ويردون فيها إلى الكعبة بيت اللّه ما يجب لبيت اللّه من تقديس وتنزّه عن أن يذكر فيه اسم غير اسم اللّه . لا يقف المستشرقون من هذا الحادث وقوفهم عند أسيري بدر اللذين قتلهما المسلمون ، ولا يحاولون أن يستنكروا هذا الغدر برجلين بريئين لم يؤخذا في حرب وإنما أخذا خداعا ، وسار بأمر الرسول ليعلّما من غدروا بهما ومن أسلموهما إلى قريش بعد أن قتلوا زملاءهم غيلة وبغيا . وهم لا يستنكرون ما صنعت قريش بالرجلين الأعزلين ، مع أن ما صنعته بهما شرّ مثل للجبن وللعدوان الدنيء . ولقد كانت أول مبادئ الإنصاف تقتضي المستشرقين ، الذين أنكروا ما فعل المسلمون بأسيري بدر ، أن يكونوا أشدّ استنكارا لغدر قريش وغدر الذين أسلموا إليها الرجلين لقتلهما ، بعد أن قتلوا الأربعة الرجال الذين جاؤوا وإياهم إجابة لطلبهم ليدلوهم على الحق ويفقهوهم في الدين . حزن المسلمون وحزن محمد لما أصاب أصحابهم الستة الذين استشهدوا في سبيل اللّه بغدر هذيل بهم ، وأرسل حسّان بن ثابت أشعاره يرثي فيها خبيبا وزيدا أحرّ الرثاء . وازداد محمد تفكيرا في أمر المسلمين وخشي إن تكرّرت مثل هذه الأمور أن تستخف العرب بشأنهم . ولا شيء أقتل لهيبتك من استخفاف غيرك بشأنك . وإنه لفي تفكيره إذ قدم عليه أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة ؛ فعرض محمد عليه أن يسلم فلم يقبل ، ولكنه لم يظهر للإسلام عداوة ، بل قال : يا محمد ، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك . فخاف محمد على أصحابه من أهل نجد وخشي أن يغدروا بهم كما غدرت هذيل بخبيب وأصحابه . ولم يقتنع ولم يجب طلب أبي براء ، حتى قال : أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا إلى أمرك . وكان أبو براء رجلا مسموع الكلمة في قومه لا يخاف من أجاره عادية أحد عليه . وبعث محمد المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في أربعين رجلا من خيار المسلمين . فساروا ونزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم ، ومن هناك بعثوا حرام بن ملجان إلى عامر بن الطفيل بكتاب محمد فلم ينظر عامر الكتاب بل قتل الرجل واستصرخ بني عامر كي يقتلوا المسلمين . فلما أبوا أن يخفروا ذمة أبي براء وجواره استصرخ عامر قبائل أخرى أجابته وخرجت معه حتى أحاطوا بالمسلمين في رحالهم فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم . لم ينج منهم إلا كعب بن زيد ؛ إذ تركه ابن الطفيل وبه رمق ، فعاش ولحق بالمدينة ، وإلا عمرو بن أميّة الذي أعتقه عامر بن الطفيل عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه . ولقي عمرو رجلين في الطريق حين عودته بعد انطلاقه ، فحسبهما من القوم الذين عدوا على أصحابه ، فأمهلما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما ، وتابع مسيره حتى بلغ المدينة ، فأخبر الرسول عليه السلام بما صنع فإذا الرجلان عامريّان من قوم أبي براء ، وإذا معهما عقد جوار من رسول اللّه اقتضاه أن يؤدّي ديتهما . يهود المدينة ومنافقوها وجد محمد لقتلى بئر معونة أشدّ الوجد ، وحزن من أجلهم أعمق الحزن ، وقال : هذا عمل أبي براء ،