محمد حسين هيكل
199
حياة محمد ( ص )
لقد كنت كارها متخوّفا وشق على أبي براء إخفار عامر بن الطفيل إيّاه ، حتى لقد ذهب ابنه ربيعة فطعن عامرا بالرمح انتقاما منه لأبيه . وبلغ من حزن محمد أنه ظلّ شهرا كاملا يدعو اللّه بعد أداء فريضة الفجر لينتقم لهم من قتلتهم . وتأثّر المسلمون جميعا لهذه الكارثة التي أصابت إخوانهم في الدين . وإن آمنوا بأنهم جميعا استشهدوا ، وبأنهم جميعا لهم الجنة . ووجد أهل المدينة من المنافقين واليهود فيما أصاب المسلمين بالرّجيع وبئر معونة ما أعاد إلى ذاكرتهم انتصار قريش بأحد ، وما أنساهم نصر المسلمين على بني أسد ، وما أضعف في نفوسهم من هيبة محمد وأصحابه . وفكّر النبيّ عليه السلام في هذه الحالة تفكير سياسيّ دقيق النظر بعيد مرامي الرأي . فليس شيء أشدّ على المسلمين يومئذ خطرا من أن تضعف في نفوس مساكنيهم بالمدينة هيبتهم ، وليس شيء يطمع قبائل العرب فيهم مثل أن تشعر بهذا الانقسام الداخلي يوشك أن يثير حربا أهليّة إذا غزا المدينة غاز من جيرانها . ثم إنه رأى اليهود والمنافقين كأنهم يتربّصون به الدوائر ، فقدّر أن لا شيء خير من أن يستدرجهم لتتّضح نيّاتهم . ولمّا كان اليهود من بني النّضير حلفاء لبني عامر ، فقد ذهب إلى محلّتهم على مقربة من قباء ، في عشرة من كبار المسلمين بينهم أبو بكر وعمر وعليّ ، وطلب إليهم معاونتهم في دية القتيلين الذين قتل عمرو بن أميّة خطأ ، ومن غير أن يعلم أن محمدا أجارهما . ائتمار اليهود بمحمد فلمّا ذكر لهم ما جاء فيه أظهروا الغبطة والبشر وحسن الاستعداد لإجابته . لكنه ما لبث أثناء تبسط بعضهم معه أن رأى سائرهم يتامرون ، ويذهب أحدهم إلى ناحية ، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب بن الأشرف ، ويدخل أحدهم ( عمرو بن جحاش بن كعب ) البيت الذي كان محمد مستندا إلى جداره . إذ ذاك را به أمرهم ، وزاده ريبة ما كان يبلغه من حديثهم عنه وائتمارهم به . لذلك ما لبث أن انسحب من مكانه تاركا أصحابه وراءه يظنون أنه قام لبعض أمره . أمّا اليهود فقد اختلط عليهم الأمر ولم يعودوا يعرفون ما يقولون لأصحاب محمد ولا ما يصنعون بهم . فإن هم غدروا بهم فمحمد لا ريب منتقم منهم شرّ انتقام . وإن هم تركوهم فلعل ائتمارهم بحياة محمد وأصحابه لا يكون قد افتضح فيظلّ ما بينهم وبين المسلمين من عهد قائما . وحاولوا أن يقنعوا ضيوفهم المسلمين بما يزيل ما قد يكون رابهم من غير أن يشيروا إلى شيء منه . لكن أصحاب محمد استبطئوه فقاموا في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة عرفوا منه أن محمدا دخلها وأنه قصد توّا إلى المسجد فيها ، فذهبوا إليه . فلمّا ذكر لهم ما رابه من أمر اليهود ومن اعتزامهم الغدر به وتنبهوا إلى ما كانوا رأوا ، آمنوا بنفاذ بصيرة الرسول وما أوحي إليه . وبعث النبي يدعو إليه محمد بن مسلمة وقال له : « اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم : إن رسول اللّه أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي . لقد أجّلتكم عشرا ، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه » . وأبلست « 1 » بنو النّضير ، فلم يجدوا لهذا الكلام دفعا ولم يحيروا عنه جوابا إلّا أن قالوا لابن مسلمة : « يا محمد ، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس » . وذلك إشارة إلى تحالفهم وإياهم من قبل في حرب الخزرج ، فكان كلّ ما أجاب به ابن مسلمة : « تغيّرت القلوب » . ابن أبي يحرض اليهود ومكث القوم على ذلك أيّاما يتجهزون وإنهم لكذلك إذ جاءهم رسولان من عند عبد اللّه بن أبيّ يقولان :
--> ( 1 ) أبلست : يئست تحيرت .