محمد حسين هيكل

194

حياة محمد ( ص )

بأسنانها فلا تستطيع أن تسيغها . وبلغ من شناعة ما فعلت وما فعلت النسوة ممن معها ، بل ما فعل الرجال كذلك من الفظائع ، أن تبرأ أبو سفيان من تبعتها ، وأعلن أنه لم يأمر به وإن كان قد اشترك فيه ، بل قال يخاطب أحد المسلمين : « إنه قد كان في قتلاكم مثل ، واللّه ما رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت » . حزن محمد على حمزة وانصرفت قريش بعد أن دفنت قتلاها ؛ وعاد المسلمون إلى الميدان لدفن قتلاهم . وخرج محمد يلتمس عمّه حمزة . فلما رآه قد بقر بطنه ومثّل به حزن من أجله أشدّ الحزن وقال : « لن أصاب بمثلك أبدا . ما وقفت موقفا قطّ أغيظ إليّ من هذا » . ثم قال : « واللّه لئن أظهرنا اللّه عليهم يوما من الدهر لأمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب » . وفي هذا نزل قوله تعالى : ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) « 1 » فعفا رسول اللّه وصبر ونهى عن المثلة ، وسجّى حمزة ببرده وصلى عليه . وجاءت أخته صفية بنت عبد المطلب ، فنظرت إليه وصلّت عليه واستغفرت له . ودفن حمزة ، وأمر النبيّ بالقتلى فدفنوا حيث لقوا مصارعهم . وانصرف المسلمون إلى المدينة ومحمد على رأسهم ، تاركين وراءهم سبعين من القتلى ، يحزّ في نفوسهم الألم لما أصابهم من هزيمة من بعد نصر ، ومن مذلة وهوان بعد ظفر لا ظفر مثله ؛ وذلك كله لعصيان الرّماة أمر النبيّ واشتغال المسلمين عن العدو بغنائمه . ودخل النبيّ إلى بيته وجعل يفكر . ها هم أولاء أهل يثرب من اليهود والمنافقين والمشركين يظهرون السرور أشدّ السرور لما كان من هزيمته وهزيمة أصحابه . وهذا سلطان المسلمين بالمدينة كان قد استقرّ فلم يبق لأحد أن ينازع فيه ، وها هو يوشك أن يضطرب ويتزعزع . وهذا عبد اللّه بن أبي بن سلول قد خرج على الجماعة وعاد من أحد ولم يشترك في القتال بدعوى أن محمدا لم يسمع رأيه ، أو أن محمدا غضب على مواليه من اليهود . فلو أنّ هزيمة أحد بقيت الكلمة الأخيرة بين المسلمين وقريش لهان أمر محمد وأصحابه على العرب ، ولتضعضع سلطانهم بيثرب ، ولكانوا عرضة لاستخفاف قريش بهم وإرسالها دعاية السخر والاستهزاء منهم في أنحاء شبه الجزيرة جميعا . ولئن حدث هذا لجاء في أثره اجتراء المشركين وعبّاد الأوثان على دين اللّه فتكون الطامّة الكبرى . فلا بدّ إذا من ضربة جريئة تخفف من وقع هزيمة أحد وتردّ إلى المسلمين قوّتهم المعنوية ، وتدخل إلى روع اليهود والمنافقين الرّهبة وتعيد إلى محمد وأصحابه سلطانهم بيثرب قويّا كما كان . الخروج في الغد إلى العدو فلمّا كان الغد من يوم أحد ، وكان الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال ، أذّن مؤذّن النبيّ في المسلمين بطلب العدوّ واستنفرهم لمطاردته ، على ألّا يخرج إلا من حضر الغزوة . وخرج المسلمون ، فوقع في روع أبي سفيان أن أعداءه جاؤوا من المدينة بمدد جديد فخاف لقاءهم . وبلغ محمد حمراء الأسد « 2 » ، وكان أبو سفيان وأصحابه بالرّوحاء فمرّ به معبد الخزاعيّ ، وكان قد مرّ بمحمد ومن معه ، فسأله عن شأنهم فأجابه معبد - وكان لا يزال على الشرك - : « إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ ، وقد اجتمع معه من كان قد تخلّف عنه ، وكلهم أشدّ ما يكون عليكم حنقا ومنكم للثأر طلبا » . على أن أبا سفيان فكر فيما يكون لفراره من محمد ومن عدم مواجهته إياه بعد انتصاره عليه بأحد من الأثر . أفلا تقول العرب في قريش ما

--> ( 1 ) سورة النحل آيتا 126 و 127 . ( 2 ) موضع على ثمانية أميال من المدينة .