محمد حسين هيكل

193

حياة محمد ( ص )

ليقع فيها المسلمون . هنالك أسرع إليه عليّ بن أبي طالب فأخذ بيده ورفعه طلحة بن عبيد اللّه حتى استوى وجعل يسير وأصحابه ، متسلقين أحدا ناجين من العدوّ واتّباعه إيّاهم . استماتة المؤمنين في الدفاع عن الرسول وفي لحظة قاموا كان قد اجتمع حولهم من المسلمين من استماتوا في الدفاع عن رسول اللّه استماتة لا يقهر صاحبها أبدا . كانت أمّ عمارة الأنصارية قد خرجت أول النهار ومعها سقاء فيها ماء تدور به على المسلمين المجاهدين تسقي منهم من استسقى . فلما انهزم المسلمون ألقت سقاءها واستلّت سيفا وقامت تباشر القتال تذبّ عن محمد بالسيف وترمي عن القوس ، حتى خلصت الجراح إليها . وترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول اللّه ، فحنى ظهره والنبل يقع فيه . ووقف سعد بن أبي وقاص إلى جانب محمد يرمي بالنبل دونه ومحمد يناوله النبل ويقول له : ارم فداك أبي وأمي . وكان محمد قبل ذلك يرمي بنفسه عن قوسه حتى اندقت سيتها . هذا ، فأمّا الذين ظنوا محمدا قد مات ومن بينهم أبو بكر وعمر فانتحوا الجبل وألقوا بأيديهم . فرآهم أنس بن النّضر فقال : ما يجلسكم قالوا : قتل رسول اللّه . قال : فما تصنعون بالحياة بعد ! قوموا فموتوا على ما مات عليه ؛ ثم استقبل القوم فقاتل قتالا شديدا وأبلى بلاء منقطع النظير ، حتى إنه لم يقتل إلا بعد أن ضرب سبعين ضربة ، وحتى إنه لم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من بنانه . زعم قريش موت النبي وفرحت قريش بما اعتقدت من موت محمد ، فراح أبو سفيان يفتقده في القتلى ؛ ذلك بأن الذين كانوا ينضحون عنه عليه السلام لم يكذّب أحد منهم خبر قتله إطاعة لأمره حتى لا تتكاثر عليهم قريش فتغلبهم دونه . على أن كعب بن مالك أقبل إلى ناحية أبي دجانة ومن معه فعرف محمدا حين رأى عينيه تزهران تحت المغفر فنادى بأعلى صوته : يا معشر المسلمين أبشروا ! هذا رسول اللّه ؛ فأشار النبيّ إليه ليسكت . لكن المسلمين ما لبثوا حين عرفوا أن نهضوا بالنبيّ ونهض هو معهم نحو الشعب ، ومن حوله أبو بكر وعمر وعليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام ورهط وغيرهم . وكان لصيحة كعب عند قريش كذلك أثرها . صحيح أن أكثرهم لم يصدّقها وحسبها صيحة أريد بها شدّ عزائم المسلمين . إلا أن بعضهم اندفع وراء محمد والذين ساروا معه . وقد أدركهم أبي بن خلف وهو يقول : أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا ! . فطعنه الرسول بحربة الحارث بن الصّمة طعنة جعلته يتقلب على فرسه ويعود أدراجه ليموت في الطريق . فلما انتهى المسلمون إلى فم الشعب خرج عليّ فملأ درقته ماء ، فغسل محمد به الدم عن وجهه وصبّ منه على رأسه ؛ ونزع أبو عبيدة بن الجراح حلقتي المغفر من وجه الرسول فسقطت ثنيتاه . وإنهم لكذلك إذ علا خالد بن الوليد على رأس فرسان معه الجبل ، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط من أصحاب الرسول فردّوهم . وازداد المسلمون في الجبل تصعيدا وقد نهكهم التعب وهدّهم الجهد ، حتى صلى النبيّ الظهر قاعدا من الجراح التي أصابته ، وصلى المسلمون خلفه قعودا . التمثيل بقتلى المسلمين فأمّا قريش فطارت بنصرها سرورا ، وحسبت نفسها انتقمت لبدر أشدّ الانتقام ؛ حتى صاح أبو سفيان : « يوم بيوم بدر والموعد العام المقبل » . وأمّا هند بنت عتبة زوجه فلم يكفها النصر ، ولم يكفها قتل حمزة بن عبد المطلب ، بل انطلقت هي والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجد عن الآذان والأنوف ، وجعلت هند لنفسها منها قلائد وأقراطا ، ثم إنها بقرت بطن حمزة وجذبت بين يديها كبده وجعلت تلوكها