محمد حسين هيكل

192

حياة محمد ( ص )

مثل هذه النسبة ، إنما دفعهم إلى معجزات البطولة التي أتوا شيء أعظم من مهارة القيادة : ذلك هو الإيمان ، الإيمان الصادق بأنهم على الحق . ومن آمن بالحق لم تزعجه قوّة مادية مهما عظمت ، ولم تضعضع من عزمته كل قوّات الباطل وإن اجتمعت . وهل رأيت مهارة القيادة وحدها كانت تغني والرّماة الذين وضعهم النبيّ في الشعب لم يكونوا إلا خمسين ، فلو أن مائتين أو ثلاثمائة رجل هاجموهم مستقتلين لما ثبتوا ولا صبروا أمامهم . لكن القوّة الكبرى ، قوة الفكرة ، قوّة العقيدة ، قوّة الإيمان الصادق بالحق العلي الأعلى ، هذه القوة لا غالب لها ما أراد صاحبها وجه الحق وحده . ولذلك تمزّقت قريش في ثلاثة آلاف من فرسانها أمام هجمات ستمائة مسلم ، وأوشكت نسوتها أن يؤخذن أسرى ذليلات . وتبع المسلمون عدوهم يضعون السلاح فيه حيث شاؤوا حتى بعد عن معسكره ؛ فجعل المسلمون ينتهبون الغنيمة ، وما أكثر ما كانت ! وصرفهم ذلك عن اتباعه عدوهم ابتغاء عرض الدنيا . اشتغال المسلمين بالغنيمة ورآهم الرّماة الذين أمرهم الرسول ألّا يبرحوا الشعب ولو رأوه وأصحابه يقتلون فقال بعضهم لبعض وقد سال لمرأى الغنيمة لعابهم : « لم تقيمون ههنا في غير شيء وقد هزم اللّه عدوكم وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم ، فأدخلوا فأغنموا مع الغانمين » قال قائل منهم : « ألم يقل لكم رسول اللّه لا تبرحوا مكانكم وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ؟ ! » قال الأولون ! « لم يرد رسول اللّه أن نبقي بعد أن أذلّ اللّه المشركين » . واختلفوا فخطبهم أميرهم عبد اللّه بن جبير أن لا يخالفوا أمر الرسول ، فعصاه أكثرهم وانطلقوا ولم يبق معه إلا نفر دون العشرة . واشترك المنطلقون في النهب وشغلوا كما شغل سائر المسلمين به . إذ ذاك اهتبل الفرصة خالد بن الوليد ، وكان على فرسان مكة ، فشد برجاله على مكان الرّماة فأجلاهم . ولم يفطن المسلمون لفعله لأنهم شغلوا عنه وعن كل شيء بهذه الغنائم يعبّون منها ، حتى ولم يبق رجل منهم وقع في يده شيء إلا أخذه . وإنهم لكذلك إذ صاح ابن الوليد صيحة أدركت قريش معها أنه دار برجاله وراء جيش المسلمين . عند ذلك عاد منهم كل منهزم فأثخنوا في المسلمين ضربا وقتلا . وهناك دارت الدائرة ؛ فألقى كل مسلم ما كان بيده مما انتهب وعاد إلى سيفه يسلّه ليقاتل به . ولكن هيهات هيهات ! لقد تفرّقت الصفوف وتمزّقت الوحدة وابتلع البحر اللجي من رجال قريش هذه الصفوة من المسلمين كانت إلى ساعة تقاتل بأمر ربها تنضج عن إيمانها ، وهي الساعة تقاتل لتنجو من براثن الموت ومخالب المذلّة . وكانت تقاتل متراصة متضامنة ، وهي الآن تقاتل مبعثرة متناكرة . وكانت تقاتل تحت قيادة قوية حازمة حكيمة ، وهي الآن تقاتل ولا قيادة لها . فلم يكن عجبا أن توى مسلما يضرب مسلما بسيفه وهو لا يكاد يعرفه . وصاح صائح بالناس : إن محمدا قد قتل ، فازدادت الفوضى وعظمت البلبلة ، واختلف المسلمون وصاروا يقتتلون ويضرب بعضهم بعضا وهم لا يشعرون لما هم فيه من العجلة والدهش . قتل المسلمون مواطنهم المسلم حسيل بن جابر أبا حذيفة وهم لا يعرفونه . وكان أكبرهم كل مسلم أن ينجو بنفسه إلا من عصم اللّه من أمثال عليّ بن أبي طالب . على أن قريشا ما لبثت حين سمعت بمقتل محمد أن تدافعت تدافع السيل إلى الناحية التي كان فيها ، وكلّ يريد أن يكون له في قتله أو التمثيل به ما يفاخر الأجيال به . هنالك أحاط المسلمون القريبون بنبيهم يدافعون عنه ويحمونه ، وقد عاد الإيمان فملأ نفوسهم وملك قلوبهم وحبب إليهم الموت وهون عليهم الحياة الدنيا . وزادهم إيمانا واستماتة أن رأوا الحجارة التي تقذفها قريش قد أصابت النبيّ فوقع لشقه فأصيبت رباعيته ، وشجّ في وجهه ، وكلمات شفته ، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته . وكان رامي الحجر الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص . وتمالك الرسول وسار وأصحابه من حوله ، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر