محمد حسين هيكل

189

حياة محمد ( ص )

والناس أثناء غيبته هذه في جدل يتحاورون . قال أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ، وكانا ممن أشاروا بالتحصّن بالمدينة ، للذين رأوا الخروج منها : « لقد رأيتم رسول اللّه يرى التحصن بالمدينة ، فقلتم ما قلتم واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره ، فردّوا الأمر إليه ، فما أمركم فافعلوه ، وما رأيتم له فيه هوى أو رأيا فأطيعوه » . ولان الداعون للخروج لما سمعوا ، وحسبوا أنهم خالفوا الرسول إلى شيء قد يكون للّه فيه آية . فلما خرج النبي إليهم لابسا درعه متقلدا سيفه أقبل عليه الذين كانوا يرون الخروج فقالوا : « ما كان لنا يا رسول اللّه أن نخالفك ، فاصنع ما بدا لك ، وما كان لنا أن نستكرهك ؛ والأمر إلى اللّه ثم إليك » . قال محمد : « قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم . وما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين أعدائه . انظروا ما آمركم به فاتّبعوه ، والنصر لكم ما صبرتم » . وكذلك وضع محمد إلى جانب مبدأ الشورى أساس النظام . فإذا تمّ للكثرة رأي بعد بحث ، لم يكن لها أن تنقضه لهوى أو لغاية ، بل يجب أن ينفذ الأمر على أن يحسن من يتولى تنفيذه ويوجهه إلى حيث يتحقق نجاحه . وتقدّم محمد بالمسلمين متّجها إلى أحد ، حتى نزل الشيخين « 1 » . وهناك بصر بكتيبة لا يعرف أهلها ، فسأل عنها فقيل : هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود قال عليه السلام : لا يستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك ما لم يسلموا فانصرف اليهود عائدين إلى المدينة . إذ ذاك جعل حلفاء ابن أبي يقولون له : لقد نصحته وأشرت عليه برأي من مضى من آبائك فكان رأيه مع رأيك ، ثم أبى أن يقبله وأطاع الغلمان الذين معه . وصادف حديثهم هوى من نفس ابن أبيّ ، فلما أصبحوا انخذل مع كتيبة من أصحابه . وبقي النبيّ ومعه المؤمنون حقّا وعدّتهم ، سبعمائة ، ليقاتلوا ثلاثة آلاف قرشي من أهل مكة كلهم موتور من يوم بدر ، وكلهم على ثأره حريص . تنظيم النبي للصفوف وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أحدا ، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم . وجعل محمد يصفّ أصحابه ، وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شعب في الجبل وقال لهم : « احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا . والزموا مكانكم لا تبرحوا منه . وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم . وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا . وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنّبل ؛ فإن الخيل لا تقدم على النبل » ؛ ثم نهى غير الرماة أن يقاتل أحد حتى يأمر هو بالقتال . قريش ونساؤها فأمّا قريش فصفّت صفوفها ، وجعلت على الميمنة خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، ودفعت اللواء إلى عبد العزّى طلحة بن أبي طلحة . وجعلت نساء قريش يمشين خلال صفوفها يضربن بالدفوف والطبول ، فيكنّ تارة في مقدمة الصفوف وتارة في مؤخّرتها ، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهنّ يقلن : ويها بني عبد الدّار * ويها حماة الأدبار ضربا بكل بتّار

--> ( 1 ) الشيخان : موضع ، كان به في الجاهلية اطمأن فيهما شيخ أعمى وعجوز عمياء يتحدثان فسمى المكان الشيخين لذلك .