محمد حسين هيكل
190
حياة محمد ( ص )
ويقلن : إن تقبلوا نعانق * ونفرش النّمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق واستعدّ الفريقان للقتال وكلّ يحرّض رجاله . فأما قريش فتذكر بدرا وقتلاها . وأما المسلمون فيذكرون اللّه ونصره . ومحمد يخطب ويحض على القتال ، ويعد رجاله النصر ما صبروا . مدّ يده بسيف فقال : من يأخذ هذا السيف بحقّه ؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم ، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال : وما حقه يا رسول اللّه ؟ فقال : أن تضرب به في العدوّ حتى ينحني . وكان أبو دجانة رجلا شجاعا له عصابة حمراء ، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل وأنه أخرج عصابة الموت . فأخذ السيف وأخرج عصابته وعصب بها رأسه ، وجعل يتبختر بين الصفّين على عادته إذ يختال عند الحرب . فلمّا رآه محمد يتبختر قال : « إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في هذا الموطن » . وكان أوّل من أنشب الحرب بين الفريقين أبو عامر عبد عمرو بن صيفيّ الأوسيّ ، وكان قد انتقل من المدينة إلى مكة يحرّض قريشا على قتال محمد ، ولم يكن شهد بدرا ، فخرج في أحد في خمسة عشر رجلا من الأوس ، وفي عبيد أهل مكة ؛ وكان يزعم أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذي يحاربون في صفّ محمد ، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا : فخرج فنادى : يا معشر الأوس : أنا أبو عامر . فأجابه الأوس المسلمون : لا أنعم اللّه بك عينا يا فاسق ! ثم نشب القتال بينهم . وحاول عبيد قريش وحاول عكرمة بن أبي جهل ، وكان على الميسرة ، أن يأخذوا المسلمين من جناحهم ، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة حتى ولّى أبو عامر ومن معه مدبرين . هنالك صاح حمزة بن عبد المطلب صيحة القتال يوم أحد : « أمت ، أمت » واندفع إلى قلب جيش قريش . وصاح طلحة بن أبي طلحة حامل لواء أهل مكة : من يبارز ! فبرز له عليّ بن أبي طالب والتقيا بين الصفّين ، فبادره عليّ بضربة فلقت هامته . واغتبط النبيّ وكبّر المسلمون وشدّوا واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبيّ وعلى رأسه عصابة الموت ، فجعل لا يلقي أحدا إلا قتله حتى شقّ صفوف المشركين ، فرأى إنسانا يخمش « 1 » الناس خمشا شديدا ، فحمل عليه بالسيف فولول ، إذا هند بنت عتبة فارتدّ عنها مكرما سيف الرسول أن يضرب به امرأة . مقتل حمزة سيد الشهداء واندفعت قريش إلى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن مات من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر . ووقفت بذلك قوّتان غير متكافئتين في العدد ولا في العدّة ، يحرّك الكثرة العظيمة ثأر لا يهدأ منذ بدر في النفوس ثائره ، ويحرك الفئة القليلة عاملان : الدفاع عن العقيدة وعن الإيمان وعن دين اللّه ، والدفاع عن الوطن وعما يشتمل عليه هذا الوطن من مصالح . فأمّا المطالبون بالثأر فكانوا أعزّ نفرا وأكثر جندا ، وكان من ورائهم الظّعن يحرّكنهم ، وقد أعدّت غير واحدة منهن مولى وعدته الخير الوفير لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز . كان حمزة بن عبد المطلب ، من أعظم أبطال العرب وشجعانهم ، وكان قد قتل يوم بدر عتبة أبا هند ، كما قتل أخاها ونكّل بكثير من الأعزّة عليها . وكان يوم أحد كما كان يوم بدر أسد اللّه وسيفه البتار . قتل أرطأة بن عبد شرحبيل . وقتل سباع بن عبد العزّى الغبشاني . وجعل يهذّ « 2 » كل من لقي بسيفه فتسيل من
--> ( 1 ) خمش فلانا : ضربه وقطع عضوا منه . ويقال : خمش وجه فلان إذا خدشه ولطمه . ( 2 ) يهذ : يقطع .