محمد حسين هيكل
177
حياة محمد ( ص )
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) « 1 » وأن قال : ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) « 2 » ، ومثله في الأنبياء كمثل عيسى إذ يقول : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) « 3 » . ومثل عمر في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من اللّه والنقمة على أعداء اللّه . ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول : ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) « 4 » وكمثل موسى إذ يقول : ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) « 5 » . ثم قال : وإن بكم عيلة ؛ فلا يفوتنّكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق . وتشاور القوم فيما بينهم وكان من بين الأسرى شاعر ، هو أبو عزّة عمرو بن عبد اللّه بن عمير الجمحيّ ، رأى خلاف القوم واستعجل النّجاة فقال : لي خمس بنات ليس لهنّ شيء فتصدّق بي عليهنّ يا محمد ، وإني لمعطيك موثقا لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدا . فأمّنه النبيّ وأرسله من غير فداء ، وكان هو وحده الأسير الذي ظفر بهذا الأمان . على أنه ما لبث أن نكث عهده ، وأن عاد فقاتل بعد عام في أحد . فأسر وقتل . وظلّ المسلمون في تشاورهم زمنا انتهوا بعده إلى قبول الفداء . وفي قبولهم نزلت هذه الآية الكريمة : ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) « 6 » . جدال المستشرقين يقف غير واحد من المستشرقين عند أسرى بدر هؤلاء وعند مقتل النّضر وعقبة ويتساءلون : أليس في ذلك ما يدل على ظمأ هذا الدين الجديد إلى الدم ظمأ لولاه لما قتل الرجلان ، ولكان أكرم للمسلمين بعد أن كسبوا الموقعة أن يردّوا الأسرى وأن يكتفوا بالفيء الذي غنموا ؟ وذلك تساؤل الذي يريد أن يثير في النفوس عوامل إشفاق لم يكن له يومئذ موضع ، ليكون له بعد ألف سنة من هذه الغزوة وما تلاها من غزوات وسيلة للنّيل من الدين ومن صاحب الدين . على أن هذا التساؤل ما يلبث أن ينهار ويتداعي إذا نحن وازنا بين مقتل النضر وعقبة ، وما يجري اليوم وما سيجري دائما ما دامت الحضارة الغربية ، التي تتّشح بوشاح المسيحية ، متحكمة في الأرض . فهل تراه يوازي شيئا إلى جنب ما يقع باسم قمع الثورات في بلاد يحكمها الاستعمار على كره من أهلها ! وهل تراه يوازي شيئا إلى جانب ما وقع من مجازر الحرب الكبرى ؟ ! ثم هل هو يوازي شيئا مما حدث أثناء الثورة الفرنسية الكبرى ، وأثناء الثورات المختلفة التي وقعت وتقع في أمم أوروبا المختلفة ؟ ! الثورة على الوثنية وليس ريب في أن الأمر بين محمد وأصحابه كان ثورة قوية من محمد بعثه اللّه ليقوم بها في وجه الوثنية والمشركين من عبّادها . ثورة قامت أول أمرها بمكة ، واحتمل محمد وأصحابه من أجلها ألوان العذاب ثلاثة عشر عاما سويّا . ثم انتقل المسلمون إلى المدينة وحشدوا جموعهم وقواتهم بها ، وما تزال مبادئ الثورة قائمة على أشدّها في نفوسهم وفي نفوس قريش جميعا . وانتقال المسلمين إلى المدينة ، وموادعتهم اليهود من أهلها ؛ وما قاموا به من مناوشات سبقت بدرة ؛ وغزوة بدر هذه - ذلك كله كان سياسة الثورة ولم يكن مبادئها . كان السياسة التي قرر القائم بهذه الثورة وأصحابه أن يتّبعوا لإقرار أسمى المبادئ - التي جاء الرسول بها . وسياسة الثورة شيء ومبادئها شيء آخر . والخطّة التي تتّبع قد تختلف تمام الاختلاف عن الغاية المقصودة من هذه
--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 67 . ( 2 ) سورة إبراهيم آية 36 . ( 3 ) سورة المائدة آية 118 . ( 4 ) سورة نوح آية 126 . ( 5 ) سورة يونس آية 88 . ( 6 ) سورة الأنفال آية 67 .