محمد حسين هيكل
178
حياة محمد ( ص )
الخطة . أما وقد جعل الإسلام الأخوّة أساس الحضارة الإسلامية ، فيجب أن يسلك للنجاح سبله وإن اقتضى ذلك من العنف والشدّة ما لا مفرّ منه . مجزرة سان باتلمي وهذا الذي صنع المسلمون بأسرى بدر آية في الرحمة وفي الحسنى إلى جانب ما يقع في الثورات التي يتغنّى أهلها بمعاني العدل والرحمة . وهو لا شيء إلى جانب المجازر الكثيرة التي قامت باسم المسيحية من مثل مجزرة سان بارتلمي ، هذه المجزرة التي تعتبر سبّة في تاريخ المسيحيّة لا شيء من مثلها قطّ في تاريخ الإسلام . هذه المجزرة التي دبّرت بليل ، وقام فيها الكاثوليك يذبحون البروتستنتيين في باريس وفي فرنسا غدرا وغيلة في أحط صور الغدر وأبشع صور الغيلة . فإذا قتل المسلمون اثنين من أسرى بدر الخمسين لأنهم كانوا قساة على المسلمين ، مدى الأعوام الثلاثة عشر التي احتمل المسلمون فيها صنوف الأذى بمكة ، فقد كان في ذلك من مزيد الرحمة ومن اعتبار الفائدة العاجلة ما نزلت معه الآية : ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) « 1 » . النذير إلى مكة وموت أبي لهب بينما كان المسلمون في فرحهم بنصر اللّه وما أفاء عليهم من المغانم كان الحيسمان بن عبد اللّه الخزاعيّ يحثّ الطريق إلى مكة ، حتى كان أول من دخلها وأخبر أهلها بهزيمة قريش ومصابها في كبرائها وأشرافها وسادتها . وقد ذهلت مكة أول الأمر فلم تصدّق الخبر . وكيف لا تذهل وهي تسمع أخبار هزيمتها ومقتل السادة الأشراف منها ! لكن الحيسمان لم يكن يهذي وكان يؤكد ما يقول وهو أشد من قريش جزعا لما أصابهم . فلما استوثقوا من روايته خرّوا صعقين ، حتى لقد حم أبو لهب ومات بعد سبعة أيام . وتشاورت قريش ما تصنع فأجمعت على ألا تنوح على قتلاها مخافة أن يبلغ محمد وأصحابه فيشمتوا بهم ، وألّا تبعث في أسراها حتى لا يأرب « 2 » عليها محمد وأصحابه ويغلوا في الفداء . وانقضى زمن وقريش صابرة على محنتها ، حتى سنحت فرصة افتدائها أسراها . إذ ذاك قدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو . وكأنما عز على عمر بن الخطاب أن يفتدى وينجو من غير أن يصيبه مكروه ، فقال : يا رسول اللّه ، دعني أنزع ثنيّتي سهيل بن عمرو فيدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا . فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ غاية السمو : لا أمثل به فيمثل اللّه بي وإن كنت نبيّا . افتداء أبي العاص بن الربيع وإسلامه وبعثت زينب ابنة النبي تفتدي زوجها أبا العاص بن الربيع ، وكان فيما بعثت قلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها . فلما رآها النبي رق لها رقة شديدة ، فقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا . ثم إنه اتفق فيما بينه وبين أبي العاص على أن يفارق زينب وقد فرّق الإسلام بينه وبينها . وبعث محمد زيد بن حارثة وصاحبا معه فجاء بها إلى المدينة . على أن أبا العاص ما لبث بعد مدة إساره أن خرج إلى الشام في مال قريش ؛ حتى إذا كان على مقربة من المدينة لقيته سرية لمحمد فأصابوا ما معه . فانحدر تحت الليل إلى أن دخل على زينب واستجارها فأجارته ، ورد المسلمون على الرجل ماله فانطلق به آمنا إلى مكة فلما رده لأصحابه من قريش قال : يا معشر قريش ! هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا :
--> ( 1 ) سورة الأنفال آية 67 . ( 2 ) لا يأرب عليها : لا يتشدد عليها .