محمد حسين هيكل
176
حياة محمد ( ص )
يقول زيد ما يقول هذيانا من الفزع والرعب . لكن المسلمين ما لبثوا حين تثبتوا من الرسولين واطمأنوا إلى صحة الخبر أن زاد بهم السرور لولا حادث طرأ خفف من سرورهم . ذلك الحادث هو موت رقية بنت النبي ، وكان قد تركها عند ذهابه إلى بدر مريضة ، وترك معها زوجها عثمان بن عفان يمّرضها . ولما أيقن المشركون والمنافقون بنصر محمد أسقط في أيديهم ، ورأوا موقفهم من المسلمين قد أصبح موقف هوان ومذلة ، حتى قال أحد زعماء اليهود : بطن الأرض اليوم خير من ظهرها بعد أن أصيب أشراف الناس وسادتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن . ودخل المسلمون المدينة قبل أن يدخلها الأسارى بيوم ، فلما جيء بهم ورجعت سودة بنت زمعة زوج النبيّ من مناحة ابني عفراء وكانت بها ، رأت أبا يزيد سهيل بن عمرو أحد الأسرى مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلم تملك نفسها أن توجّه إليه الكلام قائلة : أي أبا يزيد ! أسلمتم أنفسكم وأعطيتم بأيديكم ، ألا متم كراما ! فناداها محمد من البيت : يا سودة ! أعلى اللّه عزّ وجل وعلى رسوله تحرّضين ! فأجابت : يا رسول اللّه ! والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت . وفرّق محمد الأسارى بين أصحابه وقال لهم : استوصوا بهم خيرا . وطفق من بعد ذلك يفكر فيما يصنع بهم : أفيقتلهم أم يأخذ منهم الفداء ؟ إن منهم لأشدّاء في الحرب أقوياء في النضال ، ومن امتلأت بالحقد والضغينة نفوسهم بعد الذي كان من هزيمتهم ببدر وما لحقهم من عار الأسر ؛ فإن هو قبل الفداء كانوا عليه حربا وألبا ، وإن هو قتلهم أثار في نفوس أهليهم من قريش ما ربما هدأ لو أنهم افتدوهم . مقالتا أبي بكر وعمر في الأسرى وعرض الأمر على المسلمين يستشيرهم ويترك لهم الخيار . وكان المسلمون قد آنسوا من الأسرى طمعا في الحياة واستعدادا لفدية عظيمة . فقال هؤلاء : لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا وأكثرهم رحمة وعطفا ، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه . وبعثوا إلى أبي بكر فقالوا له : أبا بكر ، إن فينا الآباء والإخوان والعمومة وبني العم وأبعدنا قريب . كلّم صاحبك يمنّ علينا أو يفادنا . فوعدهم خيرا ، وخافوا أن يفسد ابن الخطاب عليهم أمرهم ، فأرسلوا إليه فجاءهم فقالوا له مثل قولهم لأبي بكر ، فنظر إليهم شزرا . وذهب وزيرا محمد إليه فجعل أبو بكر يلينه ويفثؤه « 1 » ويقول يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمي ! قومك فيهم الآباء والأبناء والعمومة وبنو العم والإخوان وأبعدهم منك قريب . فامنن عليهم منّ اللّه عليك ، أو فادهم يستنقذهم اللّه بك من النار ، فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين ، فلعلّ اللّه أن يقبل بقلوبهم . وسكت محمد فلم يجبه ، فقام فتنحّى . وجاء عمر فجلس مجلسه وقال : يا رسول اللّه ، هم أعداء اللّه ، كذّبوك ، وقاتلوك وأخرجوك ، اضرب رقابهم ؛ هم رؤس الكفر وأئمّة الضلالة يوطئ اللّه بهم الإسلام ويذلّ بهم أهل الشرك . ولم يجب محمد . فعاد أبو بكر إلى مقعده الأوّل وجعل يتلطف ويستعطف ، ويذكر القرابة والرّحم ، ويرجو لهؤلاء الأسرى الهدى إن هم أبقى على حياتهم ؛ وعاد عمر مثال العدل الصارم لا تأخذه فيه هوادة ولا رحمة . ولما فرغ أبو بكر وعمر من كلامهما ، قام محمد فدخل قبّته فمكث فيها ساعة ثم خرج والناس يخوضون في شأنهم ، يقف بعضهم في صفّ أبي بكر ، ويقف آخرون في صف عمر . فشاورهم فيما يصنع ، وضرب لهم في أبي بكر وفي عمر مثلا . فأمّا أبو بكر في الملائكة كمثل ميكال ينزل برضا اللّه وعفوه عن عباده ، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم ، كان ألين على قومه من العسل . قدّمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد على أن قال : ( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما
--> ( 1 ) يفئوه : يكسر غضبه ويسكنه .