محمد حسين هيكل

146

حياة محمد ( ص )

الفصل الحادي عشر أول العهد بيثرب استقبال يثرب للمهاجر العظيم - بناء المسجد ومنزل النبي - تفكير محمد في حرية العقيدة لأهل يثرب جميعا - يهود المدينة - مؤاخاة محمد بين المهاجرين والأنصار - معاهدته مع اليهود لتقرير حرية الاعتقاد - زواج محمد بعائشة الأذان للصلاة - مثل محمد وتعاليمه - قوة الدين الجديد وخوف اليهود منها - تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام - وفد نصارى نجران إلى المدينة - التقاء الأديان الثلاثة بيثرب - تفكير المسلمين في موقفهم من قريش . أسباب استقبال اليثربيين للنبي خرج أهل يثرب لاستقبال محمد زرافات ووحدانا ، رجالا ونساء ، بعد الذي ترامى إليهم من أخبار هجرته ومن ائتمار قريش به ، ومن احتماله أشدّ القيظ في هذه الرحلة المضنية بين كثبان تهامة وصخورها التي تردّ ضوء الشمس لظى وسعيرا . وخرجوا يثيرهم تطلعهم ، لما انتشر من خبر دعوته في أنحاء شبه الجزيرة وما تقضي عليه هذه الدعوة من عقائد ورثها أهلها عن آبائهم ، وكانت عندهم موضع التقديس . لكن خروجهم لم يكن راجعا إلى هذين السببين وكفى ، بل كان راجعا أكثر من ذلك إلى أنه هاجر من مكة إلى يثرب ليقيم بها . فكل طائفة وكل قبيلة من أهل يثرب كانت ترتب على هذا المقام ، من الناحية السياسية والاجتماعية ، آثارا شتى ، هي التي استخفتهم أكثر مما استخفهم التطلع ليخرجوا فينظروا إلى هذا الرجل ، وليروا هل تؤيد سماه حدسهم ، أو هي تدعوهم إلى تعديله . لذلك لم يكن المشركون ولا كان اليهود أقلّ إقبالا من المسلمين ، مهاجريهم والأنصار ، على استقبال النبي . ولذلك أحاطوا به جميعا وكلّ يخفق قلبه خفقانا مختلفا عن غيره باختلاف ما يجول بنفسه إزاء القادم العظيم . وقد اتبعوه إذ ألقى بخطام ناقته على غاربها في شيء من عدم النظام أدى إليه حرص كلّ على أن يجتلي محيّاه ، وأن يحيط نواحيه جميعا بنظرة ترسم في نفسه صورة من هذا الذي عقد بيعة العقبة الكبرى مع من بايعه من أهل هذه المدينة على حرب الأسود والأحمر من الناس ، والذي هجر وطنه وفارق أهله واحتمل عداوتهم وأذاهم ثلاث عشرة سنة متتابعة ، في سبيل توحيد اللّه توحيدا أساسه النظر في الكون ، واجتلاء الحقيقة من طريق هذا النظر . بناء المسجد ومساكن الرسول بركت ناقة النبي عليه السلام على مربد سهل وسهيل ابني عمرو ، فابتاعه ليبنيه مسجدا له . وأقام أثناء بنائه في دار أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري . وعمل محمد في بناء المسجد بيديه ، ودأب المسلمون من