محمد حسين هيكل

147

حياة محمد ( ص )

المهاجرين والأنصار على مشاركته في بنائه ، حتى أتموه وأقاموا من حوله مساكن الرسول ، وما كان بناء المسجد ولا كان بناء المساكن ليرهق أحدا وقد كانت كلها البساطة بما يتفق وتعاليم محمد . كان المسجد فناء فسيحا ، بنيت جدرانه الأربعة من الآجر والتراب ، وسقف جزء منه بسعف النخل وترك الجزء الآخو مكشوفا وخصصت إحدى نواحيه لإيواء الفقراء الذين لم يكونوا يملكون سكنا . ولم يكن المسجد يضاء ليلا إلا ساعة صلاة العشاء إذ توقد فيه أنوار من القش أثناءها . وكذلك ظل تسع سنوات متتالية شدت بعدها مصابيح إلى جذوع النخل التي كان يعتمد سقفه عليها . ولم تكن مساكن النبي أكثر من المسجد ترفا ، وإن كان بطبيعتها أكثر منه استتارا . بنى محمد مسجده ومساكنه ، وأوى من بيت أبي أيوب إليها . ثم جعل يفكر في هذه الحياة الجديدة التي استفتح ، والتي نقلته ونقلت دعوته خطوة جديدة واسعة . فقد ألفي هذه المدينة وبين عشائرها من التنافر ما لم تعرف مكة ؛ لكنه ألفي قبائلها وبطونها تصبو إلى حياة فيها من السكينة ما يجنبها الخلاف والحزازات التي مزقتها في الماضي شر ممزّق ، وما يهيئ لها في المستقبل طمأنينة تطمع معها أن تكون أوفر من مكة ثروة وأعظم جاها . وما كانت ثروة يثرب ولا كان جاهها أول ما يعني محمدا وإن كان بعض ما يعنيه . إنما كان همه الأول والآخر هذه الرسالة التي عهد اللّه إليه في تبليغها والدعوة إليها والإنذار بها . لقد حاربها أهل مكة من يوم بعثه إلى يوم هجرته أهول الحرب ، فحال ذلك دون امتلاء كل القلوب بنورها وكل الأنفس إيمانا بها من خوف أذى قريش وعنتها . والأذى والعنت يحولان بين الإيمان والقلوب التي لما يدخل الإيمان فيها . فيجب أن يؤمن المسلمون وأن يؤمن غيرهم بأن من اتبع الهدى ودخل في دين اللّه بمأمن من أن يصيبه الأذى ، ليزداد المؤمنون إيمانا ، وليقبل على الإيمان المتردد والخائف والضعيف . في هذا كان يفكر محمد أول طمأنينته إلى مسكنه بيثرب ، وإلى هذا كانت تتجه سياسته ، وفي هذا الاتجاه يجب أن يترجم لحياته . هو لم يكن يفكر في ملك ولا في مال ولا في تجارة ؛ بل كان كل همه توفير الطمأنينة لمن يتبعون رسالته ، وكفالة الحرية لهم في عقيدتهم ككفالتها لغيرهم في عقيدتهم . يجب أن يكون المسلم واليهودي والنصراني سواء في حرية العقيدة ، وفي حرية الرأي وحرية الدعوة إليه . فالحرية وحدها هي الكفيلة بانتصار الحق وبتقدم العالم نحو الكمال في وحدته العليا ، وكل حرب على الحرية تمكين للباطل ونشر لجيوش الظلام لتقضي على جذوة النور المضيئة في النفس الإنسانية ، والتي تصل بينها وبين الكون كله ، من أزله إلى أبده ، صلة اتساق ومحبة ووحدة ، لا صلة نفور وفناء . رغبة محمد عن القتال هذه الوجهة في التفكير هي التي نزل بها الوحي على محمد منذ الهجرة ، وهي التي جعلته جنوحا للسلم ، راغبا عن القتال ، مقتصدا طول حياته أشد القصد فيه ، غير لاجئ إليه إلا لضرورة تقتضيه الدفاع عن الحرية دفاعا عن الدين وعن العقيدة . ألم يقل له أهل يثرب ممن بايعوه في العقبة الثانية حين سمعوا المتجسس عليهم يصيح بقريش ينبهها لأمرهم : « واللّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منىّ غدا بأسيافنا » ، فكان جوابه : « لم نؤمر بذلك » ؟ ألم تكن أول آية نزلت في القتال : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) « 1 » . ألم تكن الآية التي تلت هذه في أمر القتال قوله تعالى : ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الحج آية 39 . ( 2 ) سورة الأنفال آية 39 .