محمد حسين هيكل

145

حياة محمد ( ص )

قال : فإن كلام نسائكم ورجالكم عليّ حرام حتى تؤمنوا باللّه ورسوله . فأسلم بنو عبد الأشهل جميعا رجالا ونساء . وبلغ من انتشار الإسلام بيثرب ومن بأس المسلمين فيها من قبل هجرة النبي إليها ما لم يحلم به مسلمو مكة ، وما طوّع لبعض الشبان من المسلمين أن يعبثوا بأصنام المشركين من أهلهم . كان لعمرو بن الجموح صنمّ من خشب يدعوه مناة ، قد اتخذه في داره كما كان الأشراف يصنعون . وكان عمرو سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم . فلما أسلم فتيان قومه كانوا يريحون بالليل على صنمه فيحملونه فيكبونه على رأسه في إحدى الحفر التي يخرج أهل يثرب لقضاء حاجاتهم بها . فإذا أصبح عمرو فلم يجدن الصنم التمسه حتى يعثر به ، ثم غسله وطهره وردّه مكانه وهو يبرق ويرعد ويتهدّد ويتوعد . وكرّر فتيان بني سلمة عبثهم بمناة ابن الجموح ، وهو كل يوم يغسله ويطهره . فلما ضاق بهم ذرعا علّق على الصنم سيفه وقال له : إن كان فيك خير فامتنع ، فهذا السيف معك . وأصبح فالتمسه فوجده في بئر مقرونا إلى كلب ميت وليس معه السيف ، فلما كلمه رجال قومه أسلم بعد أن رأى بعينه ما في الشرك والوثنية من ضلال يهوي بنفس صاحبه إلى درك لا يجمل بإنسان . يسير عليك أن تقدر ، مع ما بلغ الإسلام من علوّ الشأن بيثرب ، تحرّق أهلها شوقا إلى مقدم محمد عليهم بعد إذ علموا بهجرته من مكة . كانوا يخرجون كل يوم بعد صلاتهم الصبح إلى ظاهر المدينة يتلمّسونه حتى تغلبهم الشمس على الظلال في هذه الأيام الحارة من شهر يوليه . وبلغ هو قباء - على فرسخين من المدينة - فأقام أربعة أيام بها ومعه أبو بكر . وفي هذه الأيام الأربعة أسّس مسجدها . وبينما هم بها وصل إليها عليّ بن أبي طالب الذي ردّ الودائع التي كانت عند محمد لأصحابها من أهل مكة ثم غادرها يقطع الطريق إلى يثرب على قدميه ، يسير الليل ويستخفي بالنهار ، ويحتمل هذا الجهد المضني أسبوعين كاملين ليلحق بإخوانه في الدين . دخول محمد المدينة وإن مسلمي يثرب لينتظرون يوما كعادتهم إذ صاح بهم يهوديّ كان قد رأى ما يصنعون . « يا بنى قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء » . وكان هذا اليوم يوم جمعة ، فصلاها محمد بالمدينة . وهناك في المسجد الذي ببطن وادي رانونا أقبل عليه مسلمو يثرب وكلّ يحاول أن يراه وأن يقترب منه ، وأن يملأ عينيه من هذا الرجل الذي لم يره من قبل ، والذي امتلأت مع ذلك نفسه بحبه وبالإيمان برسالته ، والذي يذكره كل يوم أثناء صلاته مرات . وعرض عليه رجال من سادة المدينة أن يقيم عندهم في العدد والعدّة والمنعة ؛ فاعتذر لهم وامتطى ناقته وألقى لها خطامها ، فانطلقت في طرق يثرب والمسلمون من حولها في حفل حافل يخلون لها طريقها ، وسائر أهل يثرب من اليهود والمشركين ينظرون إلى هذه الحياة الجديدة التي دبت إلى مدينتهم ، وإلى هذا القادم العظيم الذي اجتمع عليه من الأوس والخزرج من كانوا من قبل أعداء متقاتلين ، ولا يجول بخاطر أحدهم في هذه البرهة التي اعتدل فيها ميزان التاريخ إلى وجهته الجديدة ، ما أعد القدر لمدينتهم من جلال وعظمة يبقيان على الزمن وجعلت الناقة تسير حتى كانت عند مربد لغلامين يتيمين من بني النّجار ، هنالك بركت ، ونزل الرسول عنها ، وسأل : لمن المربد ؟ فأجابه معاذ بن عفراء ؛ إنه لسهل وسهيل ابني عمرو ، وهما يتيمان له وسيرضيهما ، ورجا محمدا أن يتخذه مسجدا . وقبل محمد وأمر أن يا بنى في هذا المكان مسجده وأن تبنى داره .