محمد حسين هيكل
14
حياة محمد ( ص )
القسطنطينية ومكنّوا لدين محمد فيها . هنالك امتدّت كلمته إلى البلقان كلها ، وانبلج نوره في روسيا وفي بولونيا ، وخفقت أعلامه على أضعاف ما كانت تخفق عليه من أرض إسبانيا . ومن يوم انتشر الإسلام في صولته الأولى إلى يومنا لم يتغلّب عليه من الأديان متغلّب ، وإن تغلّب على أممه من شدائد الظلم وألوان التحكم ما جعلها أشدّ باللّه إيمانا ، ولحكمه إسلاما ، وفي رحمته وفي غفرانه أملا ورجاء . الإسلام والمسيحية هذه القوّة التي انتشر الإسلام بها سرعان ما وقفته وجها لوجه أمام المسيحية وقفة نضال مستميت . لقد تغلّب محمد على الوثنية ، ومحا من بلاد العرب ، كما محا خلفاؤه الأوّلون من بلاد الفرس والأفغان وطائفة كبيرة من بلاد الهند ، أثرها . ولقد تغلّب خلفاء محمد على المسيحية في الحيرة واليمن والشام ومصر إلى مهد المسيحية مدينة قسطنطين . أفقدر على المسيحية ما قدّر على الوثنية من اضمحلال وهي دين كتاب من الأديان التي أشاد بها محمد ونزل الوحي بنبوّة صاحبها ؟ وهل قدّر لهؤلاء العرب ، عرب البادية الزاحفين من شبه الجزيرة الصحراوية القاحلة ، أن يضعوا أيديهم على حدائق الأندلس وبزنطية وسائر البلاد المسيحية ؟ الموت ولا هذا ! واستمر القتال بين أتباع عيسى وأتباع محمد قرونا متتالية . ولم يقف القتال عند حرب الأسنّة والمدافع ، بل تعدّاها إلى ميادين الجدل والنضال الكلامي ، جاء المقاتلون فيها بأسماء محمد وعيسى ، وجعل كل فريق يلتمس الوسيلة لتأليب السواد واستثارة حماسة الجماهير وتعصّبها . المسلمون وعيسى على أن الإسلام حال بين المسلمين وبين الحط من مقام عيسى ، أنه عبد اللّه آتاه الكتاب وجعله نبيا ، وجعله مباركا أينما كان ، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيّا ، وبرّا بوالدته ولم يجعله جبارا شقيّا فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا . أمّا المسيحيون فقد جعل الكثيرون منهم يعرّضون بمحمد وينعتونه بأوصاف يبرأ منها المهذّب من الرجال ، شفاء لما في نفوسهم من غلّ ، واستفزازا وحفزا لشهوات الناس الدنيا . وعلى رغم ما يقال من أن الحروب الصليبية وضعت أوزارها منذ مئات السنين ظلّ تعصّب الكنيسة المسيحية على محمد على أشدّه إلى عصور قريبة . ولعله كذلك ما يزال إن لم يك أشدّ ، وإن كان خفيا يعمل في ظلمات التبشير بالدون من الوسائل . ولم يقف الأمر عند الكنيسة بل تعدّاها إلى كتّاب وفلاسفة في أوروبا وفي أمريكا لم تك تصلهم بالكنيسة صلة تذكر . المسيحيون المتعصبون ومحمد ولقد يعجب الإنسان أن يظل تعصب المسيحية على الإسلام بهذه الشدة في عصر يزعمون أنه عصر النور والعلم ، وأنه لذلك عصر التسامح وسعة الأفق . ويزداد الإنسان عجبا إذ يذكر المسلمين الأوّلين وكيف كان اغتباطهم بانتصار المسيحية على المجوسية عظيما حين ظفرت جيوش هرقل بأعلام فارس وكسرت عسكر كسرى . فقد كانت فارس صاحبة النفوذ في جنوب شبه جزيرة العرب منذ أخرج كسرى الأحباش من اليمن . ثم إن كسرى وجّه جيوشه - سنة 614 ميلادية - تحت إمرة قائد من قوّاده يدعي شهر براز « 1 » لغزو الروم ، فظهر عليهم حين التقى بهم بأذرعات وبصرى ، أدنى الشام إلى أرض العرب ، فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع
--> ( 1 ) يذكر الدكتور بتلر في كتابه ( فتح العرب لمصر ) أن اسم هذا القائد خوريام ، وأن ( شهربرز ) و ( شهربراز ) و ( شراوزيه ) وغيرها من الأسماء التي لقب بها في الكتب المختلفة ليست إلا تحريفا للاسم الفارسي ( شهر - وزر ) وهو لقب معناه ( الخنزير البري للملك ) رمزا للقوة الباسلة ، فكانت صورته مائلة لذلك على خاتم فارس القديمة وكذلك على خاتم أرمينية . ( راجع فتح العرب لمصر ص 53 ) .