محمد حسين هيكل
15
حياة محمد ( ص )
زيتونهم . وكان العرب ، ولا سيما أهل مكة ، يتتبعون أخبار هذه الحرب بتلهف وشغف ؛ فقد كانت القوّتان المتناحرتان أكبر ما تعرف أمم الأرض يومئذ ، وكانت بلاد العرب تجاورهما ، وتخضع بعض أجزائها لفارس وتتاخم الروم بعض أجزائها الآخرى . وشمت كفار مكة بالمسيحيين وفرحوا لهزيمتهم ؛ لأنهم أهل كتاب كالمسلمين ، وحاولوا أن يلصقوا بدينهم عار أندحارهم . أمّا المسلمون فشقّ عليهم أمر الروم لأنهم أهل كتاب مثلهم ، فكان محمد وأصحابه يكرهون أن يظهر المجوس عليهم . وأدّى هذا الخلاف بين مسلمي مكة وكفّارها إلى تنادر الفريقين وإلى تهكم الكفار بالمسلمين ، حتى أبدى أحدهم من السرور أمام أبي بكر ما غاظه ودفعه إلى أن يقول : لا تعجل بالمسرّة ، فسيأخذ الروم بثأرهم . وأبو بكر معروف بالهدوء ووداعة النفس . فلما سمع الكافر قوله أجابه متهكما : كذبت . فغضب أبو بكر وقال : كذبت أنت يا عدوّ اللّه ! وهذا رهان عشرة جمال على أن تغلب الروم المجوس قبل عام . وعرف محمد أمر هذا الرهان فنصح إلى أبي بكر أن يزيد في الرهان وأن يطيل المدة . فزاد أبو بكر في الرهان إلى مائة بعير إن هزمت الفرس قبل تسع سنين . وانتصر هرقل سنة 625 وهزم فارس واسترد منها الشام واستعاد الصليب الأعظم وكسب أبو بكر رهانه . وفي النبوءة بهذا النصر نزل قوله تعالى في صدر سورة الروم : ( ألم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) . المبادئ الأولية في الدينين كان اغتباط المسلمين يومئذ بانتصار هرقل والنصارى عظيما ، وظلّت صلة الإخاء بين الذين اتبعوا محمّدا والذين آمنوا بعيسى عظيمة طوال حياة النبيّ وإن تكرر بين الفريقين ما كان من مجادلة ، على خلاف ما كان بين المسلمين واليهود من تهادن أوّل الأمر ثم عداوة استمرّت وكان لها من الآثار والنتائج الدامية ما أجلى اليهود عن شبه جزيرة العرب جمعاء . ومصداق ذلك قوله تعالى : ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) « 1 » . ثم إنك لترى الدينين يصوّران الحياة والخلق صورة تكاد تكون واحدة . وهما في تصوير الإنسانية ومبدأ خلقها سواء : خلق اللّه آدم وحوّاء وأسكنهما الجنة وأوحى إليهما ألّا يسمعا إلى نزع الشيطان فيأكلا من الشجرة فيخرجهما من الجنة . والشيطان عدوّهما الذي أبى أن يسجد لآدم فيما أوحاه اللّه لمحمد ، والذي أبى أن يقدّس كلمة اللّه ، على رواية كتب النصارى المقدّسة ، ووسوس الشيطان لحوّاء وزيّن لها ، فزيّنت لآدم فأكلا من شجرة الخلد فبدت لهما سوآتهما ، فاستغفرا ربهما فبعثهما على الأرض بعض ذرّيتهم لبعض عدوّ ، يغريهم الشيطان فيضلّ قوم ويقاوم الهلاك آخرون . ولتقوى الإنسانية على حرب الغواية بعث اللّه نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين ، وبعث مع كل رسول كتابا بلسان قومه مصدّقا لما بين يديه ليبيّن لهم . وكما يقوم في صف الشيطان أنصاره من أرواح الشر ، تقوم الملائكة تسبّح بحمد ربها وتقدّس له . وهؤلاء وأولئك يتنازعون أسباب الحياة والكون جميعا حتى يوم البعث ، يوم تجزى كلّ نفس بما كسبت ولا يسأل حميم حميما . وإنك لتجد في القرآن من ذكر عيسى ومريم وإكرام اللّه لهما وتقديمه إياهما ما تشعر معه حق الشعور بهذا
--> ( 1 ) سورة المائدة آية 82 .