محمد حسين هيكل
139
حياة محمد ( ص )
المشركون من الخزرج يحلفون باللّه ما كان من هذا شيء . أما المسلمون فاعتصموا بالصمت حين رأوا قريشا مالت لتصديق شركائها في الدين ، وعادت قريش لا تؤكد الخبر ولا تنفيه ، وأخذت تتنطسه علها تقف على جليّة الأمر فيه . واحتمل أهل يثرب رحالهم وعادوا قاصدين بلدهم قبل أن تثق قريش بشيء مما حصل . فلما عرفت أن الخبر حق ، وخرجت تطلب أهل يثرب ، فلم تلحق منهم إلا بسعد بن عبادة ، فأخذوه وردّوه إلى مكة وعذّبوه حتى أجاره جبير بن مطعم بن عديّ والحارث بن أميّة ؛ لأنه كان يجير لهما من يخرجون في تجارتهما إلى الشام حين مرورهم بيثرب . لم تبالغ قريش قطّ في فزعها ولا في تتبعها الذين بايعوا محمدا على قتالها ؛ فقد عرفته ثلاث عشرة سنة متتابعة منذ بدء نبوّته ، ووقف من الجهود للحرب السلبيّة التي أعلنت عليه ما جهدها وجهده ، ونال منها ونال منه . عرفت ذلك القويّ باللّه المستمسك برسالة الحق لا يلين فيها ولا يداجي ، ولا يخاف فيها أذى ولا مساءة ولا قتلا . وقد خيل إلى قريش بعد أن أرهقته ومن معه بألوان الأذى ، وبعد أن حاصرته في الشعب ؛ وبعد أن أدخلت على أنفس أهل مكة جميعا من الرّوع ما صدّهم عن أتباعه ، أنها توشك أن تظفر به ، وأن تحصر نشاطه في الدائرة الصيقة من الأتباع الذين ظلوا على دينه ، وأنه ومن معه لا يلبثون إلا قليلا حتى تضنيهم العزلة فيعودوا إلى حكمها طائعين . أمّا اليوم وإزاء هذا الحلف الجديد ، فقد انفتح أمام محمد والذين معه باب الرجاء في الغلب ، أو على الأقل باب الرجاء في حرية الدعوة إلى عقيدتهم ، والطعن على الأصنام وعبّادها . ومن يدري ما يكون أمر القوم من بعد ذلك في شبه جزيرة العرب كلها وقد نصرتهم يثرب بأوسها وخزرجها ، وقد جعلتهم بمأمن من العدوان ، وفسحت لهم حرية القيام بفرائض دينهم ودعوة غيرهم إلى الانضمام إليهم ! فإذا لم تقض قريش على هذه الحركة في مهدها فالخوف من المستقبل لن يزال يساورها وفوز محمد عليها لن يزال يقض مضجعها . لذلك أمعنت تفكر فيما تفعل لتحبط ما قام به محمد ، ولتقضي على هذه الحركة الجديدة . ولم يكن هو من ناحيته أقل من قريش تفكيرا ؛ إن هذا الباب الذي فتح اللّه أمامه هو باب العزّة لدين اللّه ، والسمو لكلمة الحق . فالمعركة الناشبة اليوم بينه وبين قريش هي أشدّ ما وقع منذ بعثه ، وهي معركة حياة أو موت بالنسبة له ولها ، والغلب لا ريب للصادقين . فليجمع أمره ، وليستعن باللّه وليكن لما تكيد قريش أشد ازدراء مما كان في كل ما سلف ، وليقدم ولكن في حكمة وأناة ودقة ؛ فالموقف موقف حنكة السياسيّ والقائد الدقيق المداورة . هجرة المسلمين إلى يثرب وأمر أصحابه أن يلحقوا الأنصار بيثرب ، على أن يتركوا مكة متفرّقين حتى لا يثيروا ثائرة قريش عليهم . وبدأ المسلمون يهاجرون فرادى أو نفرا قليلا . لكنّ قريشا فطنت للأمر ، فحاولت أن ترد كل من استطاعت ردّه إلى مكة لتفتنه عن دينه أو لتعذّبه وتنكل به . وبلغت من ذلك أنها كانت تحول بين الزوج وزوجه إذا كانت المرأة من قريش فلا تدعها تسير معه ، وأنها كانت تحبس من تستطيع حبسه ممن لم يطعها . لكنها لم تكن تقدر على أكثر من ذلك ، حتى لا تكون حرب أهليّة بين مختلف قبائلها إذا هي همّت بقتل واحد من أهل هذه القبائل . وتتابعت هجرة المسلمين إلى يثرب ومحمد مقيم حيث هو ، لا يعرف أحد هل اعتزم الإقامة أم قرّر الهجرة . وما كانوا ليعرفوا وقد أذن لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة من قبل وظل هو بمكة يدعو سائر أهلها إلى الإسلام . وبلغ من ذلك أن أبا بكر استأذنه في الهجرة إلى يثرب ؛ فقال له : لا تعجل لعل اللّه يجعل لك صاحبا ، ولم يزد على ذلك .