محمد حسين هيكل
140
حياة محمد ( ص )
قريش وهجرة النبي على أنّ قريشا كانت تحسب لهجرة النبي إلى يثرب ألف حساب . لقد كثر المسلمون فيها كثرة جعلتهم يكادون يكون أصحاب اليد العليا . وهاهم أولاء المهاجرون من مكة ينضمون إليهم فيزيدونهم قوّة . فإذا لحق محمد بهم ، وهو على ما يعرفون من ثبات وحسن رأي وبعد نظر ، خشوا على أنفسهم أن يدهم اليثربيون مكة أو يقطعوا عليها طريق تجارتها إلى الشام ، وأن يجيعوها كما حاولوا هم أن يجيعوا محمدا وأصحابه حين وضعوا الصحيفة بمقاطعتهم وأكرهوهم على أن يلزموا الشعب وأن يقضوا فيه ثلاثين شهرا . وإذا بقي محمد بمكة وحاول الخروج منها ، فهم معرضون لمثل هذا الأذى من جانب اليثربيين دفاعا عن نبيهم ورسولهم . فلم يبق إلا أن يقتلوه ليستريحوا من كل هذا الهم الواصب « 1 » . لكنهم إن قتلوه طالب بنو هاشم وبنو المطلب بدمه وأوشكت الحرب الأهلية أن تفشو في مكة فتكون شرّا عليها مما يخشونه من ناحية يثرب . واجتمع القوم بدار الندوة يفكرون في هذا كله وفي وسيلة اتقائه . قال قائل منهم : احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله ، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم ، حتى يصيبه ما أصابهم . لكن هذا الرأي لم يلق سميعا . وقال قائل : نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا ثم لا نبالي بعد ذلك من أمره شيئا . لكنهم خافوا أن يلحق بالمدينة وأن يصيبهم ما يفرقون منه . وانتهوا إلى أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابّا جليدا ، وأن يعطوا كل فتى سيفا صارما بتارا فيضربوه جميعا ضربة رجل واحد ، فينفرق دمه بين القبائل ، ولا يقدر بنو عبد مناف على قتالهم جميعا ، فيرضوا فيه بالدّية ، وتستريح قريش من هذا الذي بدد شملها وفرق قبائلها شيعا . وأعجبهم هذا الرأي فأطمأنوا إليه ، واختاروا فتيانهم وباتوا يحسبون أن أمر محمد قد فرغ منه ، وأنه بعد أيام سيوارى وتواري دعوته في التراب ، وسيعود الذين هاجروا إلى يثرب إلى قومهم وإلى دينهم وآلهتهم ، وتعود بذلك لقريش ولبلاد العرب وحدتها التي تمزّقت ، ومكانتها التي تضعضعت أو كادت .
--> ( 1 ) الواصب : الدائم الثابت أو الموجع .