محمد حسين هيكل
125
حياة محمد ( ص )
الرجلان على نقض الصحيفة ، على أن يستعينوا على ذلك بغيرهم يقنعونهم به سرّا . واتفق معها المطعم بن عديّ وأبو البختري بن هشام وزمعة ابن الأسود وأجمع الخمسة أمرهم وتعاهدوا على القيام في أمر الصحيفة حتى ينقضوها . وغدا زهير بن أميّة فطاف بالبيت سبعا ، ثم نادى في الناس : يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ! واللّه لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ! وما كاد أبو جهل يسمعه حتى صاح به كذبت واللّه لا تشقّ ! فتصايح زمعة وأبو البختريّ والمطعم وهشام بن عمرو كلهم يكذبون أبا جهل ويؤيدون زهيرا . وأدرك أبو جهل أن الأمر قضى بليل ، وأن القوم اتّفقوا عليه ، وان مخالفتهم قد تثير شرّا ، فأوجس خيفة وتراجع . وقام المطعم ليشقّ الصحيفة فوجد الأرضة قد أكلتها إلا فاتحتها « باسمك اللهم » . وبذلك أتيح لمحمد وأصحابه أن يعودوا من الشعب إلى مكة ، وأن يبيعوا قريشا ويبتاعوا منها ، وإن بقيت صلات الفريقين كما كانت وبقي كل منهم متحفزا ليوم ويستعلي فيه على صاحبه . عصمة محمد في التبليغ ذهب بعض كتاب السيرة إلى أن الذين قاموا في نقض الصحيفة ، ممن كانوا لا يزالون على عبادة الأوثان ، ذهبوا إلى محمد يسألونه ، منعا للشر ، أن يتصالح وقريشا على شيء ، كأن يسلّم بالهتهم ولو بطرف أصابعه . فمالت نفسه إلى شيء من هذا تقديرا لجميلهم ، وقال فيما بينه وبين نفسه : « وما عليّ لو فعلت واللّه يعلم أني بار » . أو إلى أن هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة وجماعة معهم خلوا بمحمد ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ويقاربونه ويقولون له : أنت سيّدنا ، يا سيّدنا ؛ وأنهم ما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون . وهاتان الروايتان هما بعض ما حدّث به سعيد بن جبير في الأولى وقتادة في الثانية . ويذكرون أن اللّه عصم محمدا بعد ذلك وأنزل عليه قوله . ( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا . إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) « 1 » . وهذه الآيات قد نزلت في زعم أصحاب قصة الغرانيق ، في تلك القصة المكذوبة كما قد رأيت ، وهذان المحدثان يردّانها إلى قصة نقض الصحيفة . وقد نزلت هذه الآيات في حديث عطاء عن ابن عباس في وفد ثقيف ؛ إذ طلبوا إلى محمد أن يحرّم واديهم كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها ؛ فتردد النبي عليه السلام حتى نزلت . ومهما تكن الحقيقة الثابتة التي لا تختلف الروايات عليها للواقعة أو الوقائع التي نزلت الآيات فيها ، فإنها تصور ناحية من نواحي العظمة النفسية لمحمد ، كما تصور صدق إخلاصه تصويرا قويّا . وهذه الناحية تصورها كذلك الآيات التي نقلنا من سورة « عبس » ويشهد بها تاريخ محمد كله . تلك أنه كان يصارح الناس بأنه بشر مثلهم يوحي ربه إليه لهدايتهم ، وأنه وهو بشر مثلهم معرض للخطأ لولا عصمة اللّه إياه . فهو قد أخطأ حين عبس لابن أم مكتوم وتولى عنه ، وهو قد كاد يخطئ فيما نزلت آيات الإسراء في شأنه ، وكاد يفتن عن الذي أوحي إليه ليفتري غيره . فإذا نزل عليه الوحي ينبهه إلى ما صنع في أمر الأعمى ، وفي أمر هذه الفتنة التي كادت قريش تدفعه إليها ، وصدق في تبليغ هذا الوحي إلى الناس صدقه في تبليغ رسالات ربه ولم يقف حائل من أنفة أو كبرياء ولا وقف اعتبار إنساني ، حتى مما يسيغ الفضلاء ، دون إعلان هذا الحق في أمر نفسه ؛ فالحق إذا ، والحق وحده ، كان رسالته . وإذا كان احتمال أذى الغير في سبيل ما نؤمن به بعض ما
--> ( 1 ) سورة الإسراء الآيات من 73 إلى 75 .