محمد حسين هيكل

126

حياة محمد ( ص )

تطيق النفوس الكبيرة ، فإن إقرار العظيم بأنه كاد يفتن ليس مما ألف الناس صدوره حتى من العظماء . إنما يخفى هؤلاء أمثال ذلك من الأمور ، ويكتفون بحساب النفس عليه ولو حسابا عسيرا . فهو شيء إذا أكبر من العظمة وأعظم من كل عظيم ذلك الذي يتيح للنفس هذا السمو فتكشف عن الحق كله . ذلك الشيء الذي يسمو على العظمة ويفوق كل عظيم هو النبوة التي تملي على الرسول صدق الإخلاص في إبلاغ رسالة الحق جل شأنه . موت أبي طالب وخديجة عاد محمد ومن معه من الشّعب بعد تمزيق الصحيفة ، وجعل من جديد يذيع دعوته في مكة وفي القبائل التي تجيء إليها في الأشهر الحرم . ومع ما ذاع من أمر محمد بين قبائل العرب جميعا وما كان من كثرة الذين اتّبعوه ، لقد ظلّ لا يسلم أصحابه من أذى قريش ، ولا يستطيع هو لهم منعا . ولم تمض إلا شهور على نقض الصحيفة حتى فجأت محمدا في عام واحد فاجعتان اهتزت لهما نفسه ؛ هما موت أبي طالب وخديجة دراكا . وكان أبو طالب يومئذ قد نيّف على الثمانين . فلما اشتكى وبلغ قريشا أنه موف على ختام حياته ، خشيت ما يكون بينها وبين محمد وأصحابه من بعد ، وفيهم حمزة وعمر المعروفان بشدتهما وبطشهما ، فمشى أشرافها إلى أبي طالب وقالوا له : يا أبا طالب ، أنت منا حيث قد علمت وحضرك ما ترى وتخوّفنا عليك . وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه ، ليكف عنا ونكف عنه ، وليدعنا وديننا وندعه ودينه . وجاء محمد والقوم في حضرة عمه . فلما عرف ما جاؤوا فيه قال : نعم ! كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ! قال أبو جهل : نعم وأبيك ، وعشر كلمات . قال . تقولون : لا إله إلا اللّه ، وتخلعون ما تعبدون من دونه . قال بعضهم : أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا ! ثم قال بعضهم لبعض : واللّه ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون ؛ وانطلقوا . وتوفي أبو طالب والأمر بين محمد وقريش أشدّ مما كان . ومن بعد أبي طالب توفيت خديجة . خديجة التي كانت سند محمد بما توليه من حبها وبرها ، ومن رقة نفسها وطهارة قلبها وقوة إيمانها . خديجة التي كانت تهوّن عليه كل شدة وتزيل من نفسه كل خشية ، والتي كانت ملك رحمة ، يرى في عينيها وعلى ثغرها من معاني الإيمان به ما يزيده إيمانا بنفسه . وتوفي أبو طالب الذي كان لمحمد حمى وملاذا من خصومه وأعدائه . أي أثر تركت هاتان الفاجعتان الأليمتان في نفس محمد عليه السلام ! ! إنهما لجديرتان بأن تتركا أقوى النفوس كليمة مضعضعة ، يدس إليها اليأس سموم الضعف ، ويدفع إليها الأسى والحزن من لواذع الهم المبّرح ما يجعلها تنهد أمامهما ولا تفكر في شيء سواهما . قريش يزداد أذاها ما لبث محمد بعد أن فقد هذين النصيرين أن رأى قريشا تزيد في إيذائه ، وكان من أيسر ذلك أن إعترضه سفيه من سفهاء قريش فرمى على رأسه ترابا أفتدري ما صنع ؟ دخل إلى بيته والتراب على رأسه ؛ فقامت إليه فاطمة ابنته وجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي . وليس أوجع لنفوسنا من أن نسمع بكاء أبنائنا ، وأوجع منه أن نسمع بكاء بناتنا . كل دمعة ألم تسيل من ماقي البنت قطرة حمم تهوي على قلبنا فينقبض انزعاجا ، حتى لنكاد من شدة الانزعاج نصيح ألما . وكل أنة حزن تثير في الحشا وفي الكبد أنّات ما أقساها ، تختنق لها حلوقنا وتكاد تهمي بالدمع من وقعها عيوننا . وقد كان محمد أبرّ أب ببناته وأحناه عليهن . فماذا تراه صنع لبكاء هذه البنت التي فقدت منذ قريب أمها ، ولبكائها هي من أجل ما أصاب أباها ؟ لم يزده ذلك كله إلا توجها بقلبه إلى اللّه وإيمانا بنصره إياه . قال لابنته وعينها تهمي بالدمع : لا تبكي يا بنية ! فإن اللّه مانع أباك . ثم كان يردد : واللّه ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب .