محمد حسين هيكل

124

حياة محمد ( ص )

الفصل الثامن من نقض الصحيفة إلى الإسراء فرار المسلمين من مكة إلى شعاب الجيل - عدم اختلاطهم بالناس إلا في الأشهر الحرم - قيام زهير وأصحابه في نقض الصحيفة - وفاة أبي طالب وخديجة - إيذاء قريش محمدا - ذهاب محمد إلى الطائف ورد ثقيف إياه - الإسراء والمعراج . دعوة القبائل في الأشهر الحرم ظلت الصحيفة التي تعاقدت قريش فيها على مقاطعة محمد وحصار المسلمين نافذة ثلاث سنوات متتابعة ، احتمى محمد وأهله وأصحابه خلالها في شعب من شعاب الجبل بظاهر مكة ، يعانون الحرمان ألوانا ، ولا يجدون في بعض الأحايين وسيلة إلى الطعام يدفعون به جوعهم . ولم يكن يتاح لمحمد ولا للمسلمين الاختلاط بالناس والتحدّث إليهم إلا في الأشهر الحرم ، حين يفد العرب إلى مكة حاجين ، وحين تضع الخصومات أوزارها ، فلا قتل ولا تعذيب ولا اعتداء ولا انتقام . في هذه الأشهر كان محمد ينزل إلى العرب يدعوهم إلى دين اللّه ويبشرهم بثوابه وينذرهم عقابه . وكان ما أصاب محمدا من الأذى في سبيل دعوته شفيعه عند كثيرين ؛ حتى لقد زادهم ما سمعوا من ذلك عليه عطفا ، وعلى دعوته إقبالا . وهذا الحصار الذي أوقعته قريش واحتماله إياه صابرا في سبيل رسالته ، كسب له كثيرا من القلوب التي لم تبلغ منها القسوة ما بلغت من قلب أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما . حصار المسلمين في الشعب على أن طول الزمن وكثرة ما أصاب المسلمين من عنت قريش ، وهم منهم إخوانهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم ، جعل كثيرين يشعرون بفدح ما ارتكبوا من ظلم وقسوة . فلو لا أن كان من أهل مكة رجال ، لديهم على المسلمين عطف ، يحملون إليهم الطعام في الشعب الذي احتموا به لهلكوا جوعا . وكان يأتي بالبعير قد أوقره طعاما أو برّا فيسير به جوف الليل ، حتى إذا استقبل فم الشعب خلع خطامه ثم ضرب على جنبيه فيدخل البعير الشعب عليهم . ولما ضاق بما يحتمل محمد وأصحابه من الأذى صدرا ، مشى إلى زهير بن أبي أميّة ، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : يا زهير ، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبث الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت ، لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ ! أمّا إني أحلف باللّه أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا ؟ وتعاهد