محمد حسين هيكل
123
حياة محمد ( ص )
نفوسهم أكثر للواقع المحسوس قدرا ؛ ولأنهم أهل لهو وخمر كانوا أشد لجزاء الآخرة إنكارا . فكانوا يحسبون ما يلقاه الإنسان في هذه الحياة من خير أو شرّ جزاء عمله ، ولا جزاء عنه بعد الحياة . ولذلك كان أكثر ما نزل من الوحي نذيرا وبشيرا قد نزل بمكة في أوّل الرسالة ، حرصا على الخلاص لأرواح هؤلاء الذين بعث محمد بينهم . ولقد كان جديرا بأن ينبههم إلى ما هم فيه من غيّ وضلالة ؛ جديرا بأن يرتفع بهم من عبادة الأصنام إلى عبادة اللّه الواحد القهار . في سبيل الخلاص في سبيل هذا الخلاص الروحي لأهله وللناس كافة احتمل محمد ومن آمن به من ألوان الأذى وصور التضحية ، ومن آلام النفس والجسد . ومن الارتحال عن الوطن ، ومن عداوة الأهل والولد ، ما مرّ بك شيء منه . وكأنما كان محمد يزداد لأهله حبّا وعلى خلاصهم حرصا كلما ازدادوا إيذاء له ومساءة . ويوم البعث والحساب كان آية الآيات التي يجب ان يتنبّهوا لها لتنقذهم من شرّ وثنيتهم ومن التورّط في آثامهم . لذلك لم يكن الوحي في السنوات الأولى يفتر عن إنذارهم بها وتفتيح عيونهم عليها ، مع أنهم كانوا يمنعون في إنكارها وفي الازورار عنها ، مما دعاهم إلى إشعال هذه الحرب الضّروس التي لم تهدأ بينهم وبين محمد ثائرتها « 1 » ، حتى تمّ للإسلام النصر ، وحتى أظهر اللّه دينه على الدين كله .
--> ( 1 ) ثائرة الحرب : شرها وهيجها .