محمد حسين هيكل

122

حياة محمد ( ص )

يسير عليك وقد داخلك الروع أن تقدر ما كان يتولى قريشا والمترفين منها خاصّة ، إذ كانوا يستمعون إلى هذا القول بعد إذ كانوا من قبل ما ينذرهم به من العذاب بنجوة في حمى آلهتهم وأوثانهم . ويسير بعد ذلك أن تقدّر مبلغ حماستهم في تكذيب محمد ومناوأته والتأليب عليه . فهم لم يكونوا يعرفون البعث ، ولم يكونوا يعترفون بما يسمعونه عنه . لم يكن أحدهم ليتوهم أنه مجزيّ عن عمل هذه الحياة بعد مفارقته الحياة . إنما كان خوفهم من المستقبل في هذه الحياة . كان خوفهم من المرض ومن الإصابة في الأموال والبنين وفي المكانة والجاه . كانت الحياة عندهم غاية الحياة ، فكان كلّ همهم منصرفا لجمع أسباب الاستمتاع فيها ودفع كل ما يخشونه منها . وإذا كان المستقبل غيبا محجوبا أمامهم . وكانت نفوسهم تحسّ أن أعمالهم شرّا قد يصيبهم الغيب من أجله بأذى ، فقد كانوا يتفاءلون ويتطيّرون : كانوا يستقسمون بالقداح ، ويضربون بالحصى ، ويزجرون الطير « 1 » ، وينحرون للأوثان ؛ كل ذلك يدّرعون به مما يخافون من هذا المستقبل القريب في الحياة . أمّا الجزاء بعد الموت ، أمّا البعث والنشور يوم ينفخ في الصور ، أما الجنة التي أعدّت للمتقين وجهنم التي أعدّت للظالمين ، أما ذلك كله فلم يكن يدور بخواطرهم ، وذلك كله قد سمعوا به في دين اليهود وفي دين النصارى ، ولكنهم لم يسمعوا عنه تصويرا قويّا مخوفا كالذي يسمعهم الوحي على لسان محمد ، والذي ينذرهم ، إن هم ظلّوا فيما هم فيه من لهو الحياة أو الاستكثار من المال بظلم الضعيف وأكل مال اليتيم وإهمال المسكين والغلو في الرّبا ، بعذاب خالد في درك سقر تصطك القلوب فزعا من هوله لمجرّد سماع صورته ، ما بالك به محققا تراه البصيرة جاثما وراء الخطوة الضيّقة التي يتخطى الإنسان من جانب الحياة إلى ناحية الموت ، بعده البعث والنشور ، والرضا أو الثبور ! . قريش والجنة أمّا ما وعد اللّه المتقين من جنة عرضها السماوات والأرض لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ، فكانت قريش في ريب منها . وكان يزيدها ريبا تعلقها بالعاجلة ، وحرصها على أن ترى هذا النعيم محققا لها في حياة هذا العالم ، وضيقها بالانتظار إلى يوم الجزاء ، على حين لم تكن هي تؤمن بيوم الجزاء . معركة الخير والشر ولقد يأخذ الإنسان العجب كيف أقفلت قلوب العرب دون تصوّر « النرقانا » الحياة الآخرى والجزاء فيها ، في حين تدور رحى المعركة بين الخير والشرّ في هذا العالم الإنساني منذ الأزل ، لم تعرف يوما هوادة ولا اطمأنت إلى سكينة . كان المصريون القدماء ، قبل ألوف السنين من بعث محمد ، يزودّون الميت زاد الدار الآخرة ، ويضعون في أكفانه كتاب الموتى بما فيه من أغنيات ونذر ، ويصوّرون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب . وكان الهنود يصورون رضا النفس الراضية في « النرقانا » . ولم يكن مجوس فارس لينكروا معركة الخير والشر وآلهة الظلمة والنور . والموسوية والعيسوية تصفان حياة الخلد ورضا اللّه وغضبه . أفلم يبلغ هؤلاء العرب شيء من ذلك كله ، وقد كانوا أهل تجارة يتّصلون في رحلاتهم وأسفارهم بأهل هذه النحل جميعا ؟ ! فكيف لا يبلغهم ؟ وكيف لا تكون لهم صورة خاصّة منه وهم أهل بادية أشدّ اتصالا باللّانهاية ، وأقرب إلى تصوّر ما يشتمل عليه هذا الوجود من أرواح تتبدّى في لهب الظهيرة وفي غسق الليل ؟ ! أرواح خيرة وأخرى شرّيرة ! أرواح هي التي يحسبونها تسكن جوف الأصنام التي تقرّبهم إلى اللّه زلفى . لا ريب أنه كانت

--> ( 1 ) زجر الطير : أن يرمي الإنسان الطائر بحصاة أو أن يصيح به ؛ فإن ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل به ، وإن ولاه مياسره تطير منه .