محمد حسين هيكل

118

حياة محمد ( ص )

النضر بن الحارث ولكن دعاية كهذه لا يمكن أن تقوم وحدها أو تقاوم سحر هذا البيان الذين يؤمنون إليه . فإذا جاء الحق في هذا البيان الساحر فما يمنع الناس أن يؤمنوا به ؟ هل كان الاعتراف بالعجز وتبريز الخصم دعاية ناجعة في يوم من الأيام ؟ ! فلتكن لقريش إلى جانب هذه الدعاية دعاية أخرى . ولتلتمس قريش هذه الدعاية عند النّضر بن الحارث . وقد كان هذا النّضر من شياطين قريش ، وكان قد قدم الحيرة تعلّم بها أحاديث ملوك الفرس وعباداتها وأقوالها في الخير والشر وفي عناصر الكون . فأخذ كلما جلس محمد مجلسا يدعو فيه قومه إلى اللّه ، ويحذّرهم عاقبة من قبلهم من الأمم التي أعرضت عن عبادة اللّه يخلف محمدا في مجلسه ويقص على قريش حديث فارس ودينها ، ثم يقول : بماذا يكون محمد أحسن حديثا مني ؟ أليس يتلو من أساطير الأولين ما أتلو ! وكانت قريش تذيع أحاديث النضر من طريق الرواية دعاية على ما ينذر محمد الناس به وما يدعوهم إليه . جبر النصراني وكان محمد يكثر من الجلوس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر ، فكانت قريش تزعم أن جبرا النصرانيّ هذا هو الذي يعلّم محمدا أكثر ما يأتي به ، فإذا كان لأحد أن يخرج على دين آبائه فالنصرانية أولى . وروّجت قريش لزعمها هذا ، فنزل في ذلك قوله تعالى : ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) « 1 » . الطفيل بن عمرو الدوسي بهذه الضروب وأمثالها من الدعاية جعلت قريش تحارب محمدا ترجو أن تبلغ بها منه أكثر مما يبلغ منه الأذى وممن اتّبعه العذاب . على أن قوّة الحق في الصورة الواضحة البسيطة التي صوّر فيها على لسان محمد كانت تعلو على ما يقولون ، وما تفتأن لذلك تزداد كل يوم بين العرب انتشارا . قدم الطفيل بن عمرو الدّوسي مكة ، وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فمشت إليه قريش تحذّره محمدا وأن قوله كالسحر ، يفرّق بين المرء وأهله ، بل بين المرء ونفسه ؛ وأنهم يخشون عليه وعلى قومه مثل ما أصابهم بمكة ، وأنّ الخير في ألّا يكلمه ولا يستمع إليه . وذهب الطفيل يوما إلى الكعبة ، وكان محمد هناك ، فسمع بعض قوله فإذا هو كلام حسن ؛ فقال في نفسه : « واثكل أمي ! واللّه إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ! فإن كان حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته » أو اتّبع محمدا إلى بيته وأظهره على أمره وما دار بنفسه ؛ فعرض محمد عليه الإسلام وتلا عليه القرآن ، فأسلم وشهد شهادة الحق ، ورجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ، فلبّاه بعضهم وأبطأ بعض ؛ وما زال الطفيل بهم يدعوهم سنين متعاقبة حتى أسلم أكثرهم ، وانضموا إلى النبيّ بعد فتح مكة وبعد أن بدأ النظام السياسيّ يأخذ في الإسلام صورة معيّنة . وليس الطفيل الدّوسي إلّا مثلا من كثير . ولم يكن عبّاد الأصنام وحدهم هم الذين يستجيبون لدعوة محمد . قدم عليه وهو بمكة عشرون رجلا من النصارى حين بلغهم خبره . فجلسوا إليه وسألوه واستمعوا له ، فاستجابوا وآمنوا به وصدّقوه ، مما غاظ قريشا حتى سبوهم وقالوا لهم : « خيّبكم اللّه من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدّقتموه بما قال ! » . ولم تثن مقالة قريش هذا الوفد عن متابعة محمد ولم تردّه عن الإسلام ، بل زادتهم باللّه إيمانا على إيمانهم إذ كانوا نصارى ، وكانوا من قبل أن يستمعوا إلى محمد للّه مسلمين .

--> ( 1 ) سورة النحل آية 103 .