محمد حسين هيكل

119

حياة محمد ( ص )

أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بل لقد بلغ من أمر محمد ما هو أعظم من هذا ، بدأ أشدّ قريش خصومة يسائلون أنفسهم : أحقّا أنه يدعو إلى الدين القيم ، وأن ما يعدهم وما ينذرهم هو الصحيح ؟ خرج أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والأخنس بن شريق ليلة ليستمعوا إلى محمد وهو في بيته ، فأخذ كلّ منهم مجلسا يستمع فيه وكلّ منهم لا يعلم بمكان صاحبه . وكان محمد يقوم اللّيل إلا قليلا يرتل القرآن في هدوء وسكينة ، ويردّد بصوته العذب آياته القدسيّة على أوتار سمعه وقلبه . فلما كان الفجر تفرّق المستمعون وهم عائدون إلى منازلهم ؛ فجمعهم الطريق ، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ! فلو رآكم بعض سفهائكم لأضعف ذلك من أمركم ولنصر محمدا عليكم . فلما كانت الليلة الثانية شعر كل واحد منهم ، في مثل الموعد الذي ذهب فيه أمس ، كأنّ رجليه تحملانه من غير أن يستطيع امتناعا ليقضي ليله حيث قضاه أمس ، وليستمع إلى محمد يتلو كتاب ربه . وتلاقوا عند عودتهم مطلع الفجر وتلاوموا من جديد ، فلم يحل تلاومهم دون الذهاب في الليلة الثالثة . فلما أدركوا ما بهم لدعوة محمد من ضعف تعاهدوا ألا يعودوا لمثل فعلتهم ، وإن ترك ما سمعوا من محمد في نفوسهم أثرا جعلهم يتساءلون فيما بينهم عن الرأي فيما سمعوا ، وكلهم تضطرب نفسه ويخاف أن يضعف وهو سيد قومه فيضعف قومه ويتابعوا محمدا معه . ما منعهم أن يتابعوا محمدا ؟ إنه لا يريد منهم مالا ولا فيهم سيادة ولا عليهم ملكا أو سلطانا ، وهو بعد رجل جمّ التواضع شديد الحب لقومه والبّر بهم والحرص على هداهم ، شديد حساب النفس ، حيث ليخشى إساءة المسكين والضعيف ، ويرى في المغفرة لأذى يحتمله طمأنينة لقلبه وراحة لضميره . ألم يقف مع الوليد بن المغيرة يوما وقد طمع في إسلامه ، والوليد سيد من سادات قريش ، فمرّ به ابن أم مكتوم الأعمى وجعل يستقرئه القرآن ، وألح في ذلك حتى شق على محمد إلحاحه ، لما شغله عما كان فيه من أمر الوليد ، فتولى عنه وانصرف عابسا ، فلما خلا إلى نفسه جعل يحاسبها على صنيعها ويسائلها أأخطأ ؟ حتى نزل عليه الوحي بهذه الآيات : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى . وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى . أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى . وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرامٍ بَرَرَةٍ ) « 1 » . فما دام ذلك أمره فما منع قريشا أن يتابعوه ، وأن يعينوه على دعوته ، وخاصة بعد إذ لانت قلوبهم ، وإذ أنستهم السنون ما تدفع إليه المحافظة على القديم البالي من جمود النفس ، وإذ رأوا في دعوة محمد جلالا وكمالا ؟ ! النزوع إلى الكمال ولكن ! أحقّا أن السنين تنسي النفوس جمودها ومحافظتها على القديم البالي ؟ إنما يكون ذلك عند الممتازين ومن في قلوبهم نزوع دائم إلى الكمال ، هؤلاء ما يزالون حياتهم كلها يقلّبون الحقائق التي آمنوا من قبل بها لينفوا ما يعلق بها من زيف بالغة ما بلغت تفاهته . وهؤلاء كأن قلوبهم وعقولهم بوتقة دائمة الغليان ، تقبل كل جديد من الرأي يلقى إليها ، فتصهره وتنفي خبثه وتستبقي ما فيه من خير وحق وجمال . وهؤلاء يلتمسون الحقّ في كل شيء وفي كل مكان وعلى كل لسان . بيد أنهم في كل أمة وعصر هم الصفوة المختارة ، وهم لذلك قلة أبدا .

--> ( 1 ) سورة عبس الآيات من 1 إلى 16 .