محمد حسين هيكل

117

حياة محمد ( ص )

أهله وأعمامه . تهكمت به وبدعوته ، وسخرت منه وممّن اتّبعه . أرسلت شعراءها تهجوه وتفري أديمه . نالته بالأذى ونالت من اتّبعه بالسوء والعذاب . عرضت عليه الرشوة ، وعرضت عليه الملك ، وعرضت عليه كل ما يطمع الناس فيه . شرّدت أنصاره عن أوطانهم ، وأصابتهم في تجارتهم وفي أرزاقهم . أنذرته وأنذرتهم الحرب وأهوالها وما تجني وما تدمّر . وها هي ذي تحاصرهم أخيرا لتميتهم جوعا إن استطاعت إلى ذلك سبيلا . مع ذلك ظلّ محمد يشتدّ في دعوة الناس بالحسنى إلى الحق الذي بعثه اللّه به للناس بشيرا ونذيرا . أفان لقريش أن تلقي سلاحها وأن تصدّق الأمين الذي عرفته منذ طفولته وكل صباه وشبابه أمينا ؟ أم أنها لجأت إلى سلاح غير ما قدّمنا من أسلحة النضال وخيّل إليها أنها مستطيعة به أن تكسب الموقعة ، وأن تستبقي لأصنامها مكانة الألوهية التي تزعمها ، وأن تستبقي بمكة متحف هذه الأصنام ومكان تقديسها ليبقى لمكة كلّ ما ينالها بسبب هذه الأصنام من تقديس ؟ ! كلّا ! لم يأن لقريش أن تذعن وأن تسلم وهي الآن أشدّ ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة . وقد بقي لديها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال لها في قوّته وفي مضائه مطمع ، ذلك سلاح الدعاية : الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم ، واستعلاء بالدليل على دليله . الدعاية على العقيدة وعلى صاحب العقيدة واتّهامه فيها واتّهامها لذاتها . الدعاية التي لا تقف عند حدود مكة ، والتي لم تكن بحاجة إليها كحاجة البادية وقبائلها وشبه الجزيرة وسائر أهلها . كان التهديد والإغراء والإرهاب والتعذيب بعض ما يغني عن الدعاية في مكة ، لكنها لم تكن لتغني عنها شيئا عند الألوف الذين يفدون إلى مكة كل عام في التجارة والحج ، والذين يجتمعون في أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز ليحجّوا إلى الكعبة بعد ذلك مقرّبين إلى أصنامهم ، ناحرين عندها ، ملتمسين منها البركة والمغفرة . لذلك فكرت قريش منذ استحرّت الخصومة بينها وبين محمد في تنظيم الدعاية عليه . وكانت في تفكيرها هذا أشد إمعانا منذ فكّر هو في مبادأة الحاجّ بدعوتهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له . وهو قد فكر في هذا بعد السنين الأولى من بعثه ؛ فهو قد بدأ نبيّا منذ بعثه إلى أن جاءه الوحي أن ينذر عشيرته الأقربين . فلما أنذر قريشا وأسلم منها من أسلم ، وألح في الكفر والعناد من ألحّ ، ألقى عليه أن يدعو قومه والعرب جميعا ليلقى عليه من بعد ذلك أن يدعو الناس كافة . لمّا فكر في مبادأة الحاجّ من مختلف قبائل العرب بالدعوة إلى اللّه ، اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة يتشاورون : ماذا عسى أن يقولوا في شأن محمد للعرب القادمين إلى موسم الحج ، حتى لا يختلف بعضهم على بعض ويكذّب بعضهم بعضا . واقترح بعضهم أن يقولوا : إن محمدا كاهن ؛ فردّ الوليد هذا الرأي أن ليس ما يقول محمد بزمزمة « 1 » الكاهن ولا بسجعه . واقترح آخرون أن يزعموا أن محمدا مجنون ؛ فردّ الوليد هذا الرأي بأنه لا تبدو عليه لهذا الزعم ظاهرة . واقترح غيرهم أن يتهموا محمدا بالسحر ؛ فرد الوليد بأن محمدا لا ينفث في العقد ولا يأتي من عمل السّحرة شيئا . وبعد حوار اقترح الوليد عليهم أن يقولوا للحاجّ من العرب إن هذا الرجل ساحر البيان ، وإن ما يقوله سحر يفرّق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته . وكان لهم عند العرب من الحجة على قولهم هذا ما أصابهم في مكة من فرقة وتخاذل وتناحر ، بعد أن كانت مكة مضرب المثل في العصبية وفي قوّة الرابطة . وانطلقت قريش في الموسم تحذّر الحاجّ الاستماع إلى هذا الرجل وسحر بيانه ، حتى لا يصيبها ما أصاب مكة فتكون فتنة تصلى نارها جزيرة العرب جمعاء .

--> ( 1 ) الزمزمة : الكلام الخفي .