محمد حسين هيكل
105
حياة محمد ( ص )
أهله وأتباعه يهدّدون ، فلا يزيده ذلك إلا صبرا وإمعانا في الدعوة . وامتلأت نفوس المؤمنين الذين اتّبعوه بقوله : « واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » . وهانت عليهم جميعا التضحيات الجسام ، وهان عليهم الموت في سبيل الحق وهداية قريش له . وقد تعجب لهذا الإيمان الآخذ بنفوس أولئك المكيين ولمّا يكن الدين قد كمل ، ولمّا يكن قد نزل من القرآن إلا القليل . وقد تحسب أن شخصية محمد ودماثة طبعه وجميل خلقه وما عرف من صدقه وما بدا من صلابة عوده وقوة عزمه وثبات إرادته ، كان السبب في كل هذا . ولا ريب قد كان لهذا كله حظه ونصيبه ، لكن عوامل أخرى جديرة بالتقدير والاعتبار كان لها هي أيضا نصيب في ذلك غير قليل . فقد كان محمد في بلاد حرّة هي أشبه ما تكون بالجمهورية . وكان في الذّروة والسنام منها حسبا ونسبا . وكان قد وصل من المال إلى ما يشاء . وكان إلى ذلك من بني هاشم . اجتمعت لهم سدانة الكعبة وسقاية الحاجّ وما شاؤوا من مجد الألقاب الدينيّة . فلم يكن لذلك في حاجة إلى المال أو الجاه أو المكانة السياسية أو الدينية . وكان في ذلك على خلاف من سبقه من الرسل والأنبياء . فقد ولد موسى في مصر وفيها فرعون يدين له أهلها بالألوهية وينادي هو فيهم « أنا ربكم الأعلى » ، وتعاونه طائفة رجال الدين على سوم الناس ألوان الظلم والاستغلال والعسف ، فكانت الثورة التي قام بها موسى بأمر ربه ثورة نظام سياسيّ وديني معا . أليس يريد أن يكون فرعون والرجل الذي يرفع الماء بالشادوف من النيل أمام اللّه سيّين ؟ إذا فما هي ألوهيّة فرعون وما هذا النظام القائم ! يجب أن يحطم ذلك كله ، ويجب أن تكون الثورة سياسية أولا . لهذا لقيت الدعوة الموسويّة منذ بداءتها حربا من فرعون شعواء ، ولذلك آزرت المعجزات موسى ليؤمن الناس بدعوته . ألقى عصاه فإذا هي حيّة تسعى تلقف ما صنع سحرة فرعون . ولم يجد ذلك موسى شيئا ، فاضطرّ إلى مغادرة وطنه مصر ؛ وقد آزرته في هجرته معجزة إنفلاق الطريق في البحر خلال الماء . وقد ولد عيسى في النّاصرة من أعمال فلسطين ، وهي يومئذ ولاية رومانية خاضعة لحكم القياصرة ولظلم المستعمرين بها ولآلهة رومية ؛ فدعا الناس إلى الصبر على الظلم ، وإلى المغفرة للتائب المنيب ، وإلى ألوان من الرحمة اعتبرها القائمون بالأمر ثورة على تجبرهم ، فازرت عيسى معجزات إحياء الموتى وإبراء المرضى وسائر ما أيده به روح القدس من عنده . صحيح أن تعاليمهم تنتهي في جوهرها إلى ما تنتهي إليه تعاليم محمد في جوهرها ، مع خلال في التفاصيل ليس هنا موضع إيضاحه . لكنّ هذه العوامل المختلفة ، والعامل السياسيّ في مقدّمتها ، وجّهت دعوتهما اتجاهها . أمّا محمد ، وكانت ظروفه ما قدّمنا ، فكانت رسالته عقليّة روحيّة ، أساسها الدعوة إلى الحق والخير والجمال ، دعوة مجرّدة في بدئها وفي غايتها . ولبعدها عن كل خصومة سياسية لم تزعج النظام الجمهوري الذي كان قائما بمكة بأية صورة من صور الإزعاج . دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكر ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قويّ ؛ فهذه الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة لك في هذا البحث ، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة ، ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على المقدّمات العلمية . فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص ، ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرّب الخطأ إلى ناحية من نواحيها . وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر ، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته ، فكيف اقتنع الذين اتبعوه بدعوته وآمنوا بها ؟ نزعوا من نفوسهم كل عقيدة سابقة وبدؤا يفكرون فيما أمامهم . لقد كان لكل قبيلة من قبائل