محمد حسين هيكل

106

حياة محمد ( ص )

العرب صنم . فأي صنم هو الحق وأي صنم هو الباطل ؟ وكان في بلاد العرب وفي البلاد التي تجاورها صابئة ومجوس يعبدون النار ، وكان فيها الذين يعبدون الشمس فأيّ هؤلاء على الحق ، وأيهم على الباطل ؟ لنذر هذا كله إذا جانبا ، ولنمح أثره من نفوسنا ، ولنتجرد من كل رأي ومن كل عقيدة سابقة ولننظر . والنظر والملاحظة بطبيعة الحال سيّان . مما لا شبهة فيه أن لكل موجود بسائر الموجودات اتصالا ؛ فالإنسان تتصل قبائله بعضها ببعض وأممه بعضها ببعض . والإنسان يتصل بالحيوان والجماد . وأرضنا تتصل بالشمس وبالقمر وبسائر الأفلاك . وذلك كله يتصل في سنن مطّردة لا تحويل لها ولا تبديل . لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار . ولو أن إحدى موجودات الكون تحوّلت لتبدّل ما في الكون . فلو أن الشمس لم تسعد الأرض بالنور والحرارة ، على السنّة التي تجري عليها منذ ملايين السنين ، لتبدّلت الأرض غير الأرض والسماء . وما دام ذلك لم يحدث . فلا بد لهذا الكل من روح يمسكه ؛ منه نشأ ، وعنه تطوّر ، وإليه يعود . هذا الروح وحده هو الذي يجب أن يخضع له الإنسان . أمّا سائر ما في الكون فهو خاضع لهذا الروح كالإنسان سواء . والإنسان والكون والزمان والمكان وحدة ، وهذا الروح جوهرها ومصدرها . وإذا فلتكن لهذا الروح وحده العبادة . ولهذا الروح يجب أن تتجه القلوب والأفئدة . وفي الكون كله يجب أن نلتمس من طريق النظر والتأمل سننه الخالدة . وإذا فما يعبد الناس من دون اللّه أصناما وملوكا وفراعنة ونارا وشمسا إنما هو وهم باطل غير جدير بالكرامة الإنسانية ، ولا هو يتفق مع عقل الإنسان وما كرّم به من القدرة على استنباط سنّة اللّه من طريق النظر في خلقه . هذا جوهر الدعوة المحمدية على ما عرفها المسلمون الأولون . وقد أبلغهم الوحي إياها على لسان محمد في آي من البلاغة كانت ولن تزال معجزة ؛ فجمع لهم بذلك بين الحق وتصويره في كمال جماله . وهنالك ارتقت نفوسهم وسمت قلوبهم تريد الاتصال بهذا الروح الكريم ؛ فهداهم محمد إلى أن الخير هو طريق الوصول ، وأنهم مجزيّون عن هذا الخير يوم يتمون واجبهم في الحياة بالتقوى ، ويوم تجزى كلّ نفس بما كسبت . ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) « 1 » . أيّ سموّ بالعقل الإنساني أعظم من هذا السموّ ! وأي تحطيم لقيوده أشدّ من هذا التحطيم ! ! حسب الإنسان أن يفهم هذا وأن يؤمن به وأن يعمل عليه ليبلغ الذروة من مراتب الإنسان . وفي سبيل هذه المكانة تهون كل تضحية على من يؤمن بها . وقد كان من جلال موقف محمد ومن اتبعه أن ازداد بنو هاشم وبنو المطلب منعا له ودفعا للأذى عنه . مرّ أبو جهل بمحمد يوما فاذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتوهين من أمره ، فأعرض محمد عنه وانصرف ولم يكلمه . وكان حمزة عمه وأخوه من الرضاعة ، لا يزال على دين قريش ، وكان رجلا قويّا مخوفا . وكان ذا ولع بالصيد ، فإذا رجع من صيده طاف بالكعبة قبل أن يعود إلى داره . فلما جاء في ذلك اليوم وعلم بما أصاب ابن أخيه من أذى أبي جهل ملأه الغضب ؛ وذهب إلى الكعبة ولم يقف مسلما على أحد ممن كان عندها كعادته ، ودخل المسجد فألقى أبا جهل فقصد إليه ، حتى إذا بلغه رفع القوس فضربه بها فشجّه شجة منكرة . وأراد رجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل فمنعهم حسما للشر ومخافة استفحاله معترفا أنه سبّ محمدا سبّا قبيحا ، ثم أعلن حمزة إسلامه ، وعاهد محمدا على نصرته والتضحية في سبيل اللّه حتى النهاية .

--> ( 1 ) سورة الزلزلة آيتا 7 و 8 .