العلامة المجلسي
273
بحار الأنوار
الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصة ، فاشتدت رقته عليه من بين ولده ، فلما رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب ( 1 ) بيوسف وتكرمته إياه وإيثاره إياه عليهم اشتد ذلك عليهم ، وبدا البلاء فيهم ، فتآمروا ( 2 ) فيما بينهم وقالوا : إن يوسف وأخاه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ، اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ، أي تتوبون . فعند ذلك قالوا : " يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع " فقال يعقوب : " إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب " فانتزعه حذرا عليه منه من أن تكون البلوى من الله على يعقوب في يوسف خاصة لموقعه من قلبه وحبه له ، قال : فغلبت قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته ، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه ولا عن يوسف وولده فدفعه إليهم وهو لذلك كاره ، متوقع للبلوى من الله في يوسف ، فلما خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعا فانتزعه من أيديهم فضمه إليه واعتنقه وبكى ودفعه إليهم ، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم ، ( 3 ) فلما أمعنوا به أتوا به غيضة أشجار فقالوا : نذبحه ونلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب الليلة . فقال كبيرهم : " لا تقتلوا يوسف " ولكن " ألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " فانطلقوا به إلى الجب فألقوه وهم يظنون أنه يغرق فيه ، فلما صار في قعر الجب ناداهم : يا ولد رومين اقرؤوا يعقوب عني السلام ، فلما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض : لا تزالوا من ههنا حتى تعلموا أنه قد مات ، فلم يزالوا بحضرته حتى أمسوا ( 4 ) ورجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب " فلما سمع مقالتهم استرجع واستعبر وذكر ما أوحى الله عز وجل إليه من الاستعداد للبلاء ، فصبر وأذعن للبلوى ( 5 ) وقال لهم : " بل سولت لكم أنفسكم
--> ( 1 ) في نسخة : صنيع يعقوب . وفى أخرى : ما صنع يعقوب . ( 2 ) أي تشاوروا . ( 3 ) في نسخة : ولا يعيده إليهم . ( 4 ) " : حتى أيسوا . ( 5 ) في المصدر : للبلاء . م