شيخ محمد قوام الوشنوي
52
حياة النبي ( ص ) وسيرته
جدعان ونحن غلامان وكنت أشفّ منه ( أشفّ منه أي أكبر منه ) بيسير ، فدفعته فوقع على ركبتيه ، فجحش في إحداهما جحشا لم يزل أثره فيه بعد . فقال عبد اللّه بن مسعود : فوجدته بآخر رمق ، فعرفته فوضعت رجلي على عنقه . قال : وقد كان خبث ( أي أخذ ) بي مرّة بمكة فآذاني ولكزني ثم قلت : أخزاك اللّه يا عدو اللّه . قال : وبما أخزاني أأعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة . قلت : للّه ولرسوله . . . الخ . وقال ابن الأثير « 1 » : فقال له أبو جهل : لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا . قال : قلت انّي قاتلك . قال : ما أنت بأول عبد قتل سيّده ، أما انّ أشدّ شيء لقيت اليوم قتلك إيّاي ، وألّا قتلني رجل من المطيبين الأحلاف ، فضربه عبد اللّه فوقع رأسه بين رجليه ، فحمله إلى رسول اللّه ( ص ) فسجد شكرا للّه . . . الخ . وقال الزيني دحلان « 2 » : وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن عوف انّه قال : انّي لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وعن شمالي ، وإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما ، فغمزني أحدهما سرّا من صاحبه فقال : يا عم هل تعرف أبا جهل بن هشام ؟ فقلت : نعم وما حاجتك به ؟ قال : بلغني انّه كان يسبّ النبي ( ص ) ، والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده حتّى يموت الأعجل منّا - أي الأقرب أجلا - فغمزني الآخر فقال مثلها سرّا من صاحبه ، فعجبت لذلك ، أي لحرص كل منهما على ذلك وإخفائه عن صاحبه ليكون هو المختصّ به ، فلم أنشب - أي لم ألبث - أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس ، أي يتحوّل من محلّ إلى محلّ آخر ، فقلت لهما : ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه ، فابتدراه بسيفهما فضرباه حتّى قتلاه أي أشرفا به للقتل وصيّراه إلى حركة المذبوح . وسيأتي انّ ابن مسعود هو الذي تمّم قتله ، ثم انصرفا إلى رسول اللّه ( ص ) فأخبراه ، فقال : أيّكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . قال : هل مسحتما سيفكما . قالا : لا ، فنظر رسول اللّه في السيفين فقال : كلاهما قتله ، وقضى بسلبه لهما إلّا السيف فسيأتي أنّه ( ص ) قضى به
--> ( 1 ) الكامل 2 / 121 . ( 2 ) السيرة النبوية 1 / 204 .