شيخ محمد قوام الوشنوي
354
حياة النبي ( ص ) وسيرته
قالوا : بعث رسول اللّه ( ص ) الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب ، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني فقتله ولم يقتل لرسول اللّه رسول غيره ، فاشتدّ ذلك عليه ( ص ) وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف وهم ثلاثة آلاف ، فقال رسول اللّه ( ص ) : أمير الناس زيد بن حارثة ، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة ، فإن قتل فليرتضي المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم وعقد لهم رسول اللّه ( ص ) لواء أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة ، وأوصاهم رسول اللّه أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلّا استعانوا عليهم باللّه وقاتلوهم . وخرج مشيّعا لهم حتّى بلغ ثنيّة الوداع ، فوقف وودّعهم ، فلمّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون : دفع اللّه عنكم وردّكم صالحين غانمين . . . الخ . وقال ابن الأثير « 1 » : فلمّا ودّع عبد اللّه بن رواحة بكى عبد اللّه ، فقال له الناس : ما يبكيك ؟ فقال : ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم ، ولكن سمعت رسول اللّه يقرأ آية وهي وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود . فقال المسلمون : صحبكم اللّه وردّكم إلينا سالمين . فقال عبد اللّه بن رواحة : لكنّني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حرّان مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتّى يقولوا إذا مرّوا على جدثي * يا أرشد اللّه من غاز وقد رشدا إلى أن قال : ثم ساروا حتّى نزلوا معان من أرض الشام ، فبلغهم انّ هرقل سار إليهم في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبليّ ، عليهم رجل من بليّ يقال له مالك بن رافلة ، ونزلوا مشارف من أرض البلقاء ، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه نخبره الخبر وننتظر أمره ، فشجّعهم عبد اللّه بن رواحة على المضيّ وقال : يا قوم واللّه انّ التي تكرهون للّتي خرجتم إيّاها تطلبون الشهادة ، وما نقاتل
--> ( 1 ) الكامل 2 / 234 و 238 .