شيخ محمد قوام الوشنوي

355

حياة النبي ( ص ) وسيرته

الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فما هي إلّا إحدى الحسنيين ، إمّا ظهور وإمّا شهادة . فقال الناس : صدق واللّه ، وساروا وسمعه زيد بن أرقم وكان يتيما في حجره وقد أردفه في مسيره ذلك على حقيبة وهو يقول : إذا أديتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ * ولا أرجع إلى أهلي وراء وجاء المسلمون وغادروني * بأرض الشام مشهور الثواء وردّك كل ذي نسب قريب * من الرحمن منقطع الإخاء هنالك لا أبالي طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء فلمّا سمعها بكى ، فخفقه بالدرّة وقال : ما عليك يا لكع ، يرزقني اللّه الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل . ثم ساروا ، فالتقتهم جموع الروم والعرب بقرية من البلقاء يقال لها مشارف ، ثم دنى العدوّ وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، فالتقى الناس عندها وتعبؤا ، وكان على ميمنة المسلمين قطبة بن قتادة الغدري وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللّه ( ص ) حتّى شاط في رماح القوم . ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها وهو يقول : يا حبّذا الجنة واقترابها * طيّبة وبارد شرابها والروم روم قد دنى عذابها * كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها فلمّا اشتدّ القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتّى قتل ، وكان جعفر أول من عقر فرسه في الإسلام ، فوجدوا به بضعا وثمانين بين رمية وضربة وطعنة . فلمّا قتل أخذ الراية عبد اللّه بن رواحة ، ثم تقدم فتردّد بعض التردّد ، ثم قال يخاطب نفسه : أقسمت يا نفس لتنزلنّه * طائعة أو لا لتكرهنّه إن أجلب الناس وشدّوا الرنة * ما لي أراك تكرهين الجنة قد طالما قد كنت مطمئنّة * هل أنت إلّا نطفة في شنّة