شيخ محمد قوام الوشنوي

257

حياة النبي ( ص ) وسيرته

كانت رؤيا رسول اللّه ( ص ) للعام المقبل ، ففيه أنزل اللّه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً يعني خيبر وعده إيّاها إذا رجع وأخبره أن تمام رؤياك يا محمد إذا أخلوا لك مكة عاما قابلا ، ثم أخرج رأسه من القبّة وهو محلوق فقال : اللّهم اغفر للمحلّقين . وقال الذين قصّروا : وللمقصّرين يا رسول اللّه . فأعادها رسول اللّه ثلاث مرّات كل ذلك يقول : للمحلّقين ، قالوا : للمقصّرين يا رسول اللّه . وقال ، في آخر الثلاث : وللمقصّرين . . . الخ . وقال الزيني دحلان « 1 » : فإن قيل : ما الحكمة في كونه وافق سهيلا على هذه الشروط التي من جملتها انّه لا يأتيه رجل منهم وإن كان على دين الإسلام الّا يردّه . فالجواب كما نقله النووي عن العلماء : انّ المصلحة المترتبة على هذا الصلح هي ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي علمها النبي ( ص ) وخفيت عليهم فحمله ذلك على موافقتهم ، وذلك انّهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تظهر عندهم أمور النبي ( ص ) كما هي ولا يجتمعون بمن يعلمهم بها مفصّلة ، فلمّا حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة وجاء المسلمون إلى مكة وخلّوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممّن يستنصحونهم ، وسمعوا منهم أحوال النبي ( ص ) ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوّته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فمالت أنفسهم إلى الإيمان حتّى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما ، وزاد الآخرون الذين لم يسلموا ميلا إلى الإسلام ، فلمّا كان يوم الفتح أسلموا كلّهم لمّا قد تمهّد لهم الميل ، وكانت العرب من غير قريش ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش لما يعلمونه فيهم من القوّة والرأي ، ولانّهم كانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به ، فلمّا أسلمت قريش أسلمت العرب ، قال اللّه تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ففيه إشارة إلى انّه عند حصول

--> ( 1 ) السيرة النبوية 2 / 44 .