شيخ محمد قوام الوشنوي

258

حياة النبي ( ص ) وسيرته

نصر اللّه نبيّه على أعدائه وفتح مكة يدخل الناس في دين اللّه جماعات . وكان الأمر كذلك ، فجاءه العرب بعد فتح مكة من أقطار الأرض طائعين ، وكان هذا الصلح هو سبب فتح مكة كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى . فاللّه ورسوله أعلم بالحكمة البالغة ، فإنّ صدّ المسلمين عن البيت كان في الظاهر هضما للمسلمين وفي الباطن عزّا لهم وقوّة ، فأذلّ اللّه المشركين من حيث أرادوا العزّ لأنفسهم وقهرهم من حيث أرادوا الغلبة ، وللّه العزّة ولرسوله وللمؤمنين ، واللّه غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون . . . الخ . وقال محمد بن سعد « 1 » : وأقام رسول اللّه ( ص ) بالحديبية بضعة عشر يوما ، ويقال عشرين يوما ، ثم انصرف رسول اللّه ، فلمّا كانوا بضجنان نزل عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . . . الخ . وقال الطبري « 2 » : ثم رجع النبي ( ص ) إلى المدينة ، ثم روى عن الزهري انّه قال : فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، انّما كان القتال حيث التقى الناس ، فلمّا كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا الّا دخل فيه ، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر . . . الخ . وقال الواقدي : ثم ارتحل رسول اللّه ( ص ) راجعا إلى المدينة ، فأنزل اللّه تعالى وهو في الطريق انّه ستفتح لكم خيبر فلا تجعل الغنيمة الّا لمن شهد الحديبية ، وأخبره انّ ناسا من الأعراب والمخلّفين بالمدينة سيريدونك أن يغزو معك ليصيبوا الغنيمة ، فأمره اللّه تعالى أن لا يدعهم يغزون معه ، فقال سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا « 3 » .

--> ( 1 ) الطبقات الكبرى 2 / 98 . ( 2 ) تاريخ الطبري 2 / 638 . ( 3 ) سورة الفتح / الآية 15 .