شيخ محمد قوام الوشنوي
243
حياة النبي ( ص ) وسيرته
للناس : انزلوا . قيل له : يا رسول اللّه ما بالوادي ماء ينزل عليه ، فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتّى ضرب بعطن . وقال محمد بن سعد « 1 » : فوقعت يدا راحلته ( ص ) فبركت ، فقال المسلمون : حل حل - يزجرونها ، فأبت أن تنبعث ، فقالوا : خلأت القصواء - أي توقفت عن السير - فقال النبي ( ص ) : انّها ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل ، أما واللّه لا يسألوني اليوم خطّة فيها تعظيم حرمة اللّه إلّا أعطيتهم إيّاها . ثم زجرها فقامت ، فولّى راجعا عوده على بدئه حتّى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية ظنون ( قيل هي البئر التي يظنّ انّ فيها ماء وليس فيها ماء وقيل البئر القليلة الماء ) قليل الماء ، فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز فيها فجاشت لهم بالرواء حتّى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر ، ومطر رسول اللّه ( ص ) بالحديبية مرارا وكرّت المياه . وجاء بديل بن ورقاء وركب من خزاعة ، فسلّموا عليه وقال بديل : جئناك من عند قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العوذ ( جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت ) والمطافيل ( جمع مطفل وهي الناقة القريبة العهد بالولادة معها طفلها ) والنساء والصبيان يقسمون باللّه لا يخلّون بينك وبين البيت حتّى تبيد خضراؤهم . فقال رسول اللّه ( ص ) : لم نأت لقتال أحد انّما جئنا لنطوف بهذا البيت ، فمن صدّنا عنه قاتلناه . فرجع بديل فأخبر بذلك قريشا ، فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي ، فكلّمه رسول اللّه بنحو ما كلّم به بديلا . فانصرف إلى قريش فأخبرهم فقالوا : نردّه عن البيت في عامنا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت . ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف فكلّمه بنحو ممّا كلّم به صاحبيه ، فرجع إلى قريش فأخبرهم ، فبعثوا الحليس بن علقمة وهو يومئذ سيّد الأحابيش وكان يتألّه ، فلمّا رأى الهدي عليه القلائد قد أكل أوباره من طول الحبس رجع ولم يصل إلى رسول اللّه ( ص ) إعظاما لما رأى ، فقال لقريش : واللّه لتخلّن بينه وبين ما جاء له
--> ( 1 ) الطبقات الكبرى 2 / 96 .